«غياب مؤسف للرمزية النقدية في الأوساط الأوروبية»

«غياب مؤسف للرمزية النقدية في الأوساط الأوروبية»

جيليان تيت

بداية معركة جديدة بشأن الدولار الأمريكي

تلوح في الأفق علامات معركة جديدة حول العملة الأمريكية، إلا أن هذه المرة لا يتعلق الصراع بالاحتياطي الفيدرالي أو بتراجع قيمة الدولار، بل هو صراع رمزي، ففي أواخر العام الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن إمكانية إصدار عملة معدنية من فئة الدولار احتفالاً بالذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، تحمل صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ردود فعل سلبية من الديمقراطيين

جاء هذا القرار ليُثير غضب بعض أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، الذين بعثوا برسالة حادة، مشيرين إلى أن «وضع صورة رئيس على قيد الحياة على عملة معدنية يتناقض مع هويتنا كأمة»، حيث يوجد عرف سياسي راسخ يمنع ظهور صور القادة الحاليين على العملات.

تغييرات في لجنة تصميم العملات

من جهته، قام ترامب بتعيين أتباعه في اللجنة المسؤولة عن مراجعة تصاميم العملات المعدنيّة – لجنة الفنون الجميلة – بعد طرد أعضاءها السابقين، لذا، يبدو أن خطة إدارة بايدن لوضع صورة هارييت توبمان، الناشطة الحقوقية السوداء، على ورقة العشرين دولار (وهي خطوة تحظى بتأييد شعبي واسع) قد تم تعليقها.

تحديات رمزية في اليورو

وعلى صعيد آخر، تندلع صراعات رمزية أخرى في البنك المركزي الأوروبي، إذ تكمن المشكلة في فرانكفورت أن اليورو يُعتبر حالة شاذة ثقافياً وفقاً للمعايير التاريخية، فهو لا يمتلك هيكلاً إدارياً اتحادياً فحسب، بل تفتقر أوراقه النقدية ومعظم عملاته المعدنية إلى هوية إبداعية أوروبية موحدة.

تصاميم ورقية تحمل رموزاً غير تاريخية

بينما تحمل الدولارات صور «الآباء المؤسسين»، تعرض أوراق اليورو النقدية نوافذ وأبواباً وهمية، لأن مسؤولي البنك المركزي الأوروبي، عند إطلاق اليورو، كانوا يخشون من أن تكون صور الأبطال أو المعالم الوطنية «الحقيقية» مثيرةً للجدل، لذا تم استبعاد فكرة تصوير مبان مثل نوتردام أو الكولوسيوم، أو شخصيات تاريخية مثل شارلمان، وكذلك مؤسسي الاتحاد الأوروبي.

التحديات في إنشاء هوية مشتركة

لكن، كما يعلم أي عالم أنثروبولوجيا، يصعب بناء تماسك اجتماعي دون وجود أسطورة تأسيسية و«وجه» بطولي، فالبشر يميلون إلى تفضيل الأشخاص والقصص على المُثُل المجردة، لذا، فإن غياب الوجوه الأوروبية الجامعة يُعد رمزاً غير مقصود لنقطة ضعف المنطقة، وهو تذبذب الهوية المشتركة، مما يصعّب على الاتحاد الأوروبي إنشاء هيكل حوكمة فعال وسريع.

صعوبات تنفيذ الاستراتيجيات الأوروبية

علاوة على ذلك، فإن الجهود المبذولة لإنعاش أوروبا عبر استراتيجية «دراجي والطائرات المسيّرة» – أي تنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة وزيادة الإنفاق العسكري – تواجه صعوبات جمة، إذ تسود ثقافة تشاور حذر، كما وصفها سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، بازدراء بـ«مجموعة العمل الأوروبية المخيفة».

محاولات لتغيير الوضع الراهن

لكن، هل يكون لهذا الوضع أن يتغير؟ كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، تبذل جهوداً في هذا الاتجاه، على الأقل فيما يتعلق بالأوراق النقدية، ففي عام 2021، قرر البنك المركزي إعادة تصميم عملته مستعيناً بلجنة استشارية للزخارف، وبعد استطلاع آراء 365 ألف أوروبي، حدد البنك موضوعين رئيسيين للتصميم.

التركيز على الثقافة والطبيعة

الأول هو «الثقافة»، إذ إن الأوروبيين «يتبادلون إبداعاتهم ومعارفهم ومهاراتهم منذ قرون، لذا، ستظهر شخصيات مثل ماري كوري وليوناردو دافنشي في النهاية على الأوراق النقدية»، إلى جانب مباني البنك المركزي «الحقيقية»، بينما يتمثل الموضوع الثاني في «الأنهار والطيور»، لاستحضار الوحدة العابرة للحدود وحب الطبيعة، على عكس استخدام أمريكا للطيور كمظهر قوة.

تأخيرات في إصدار الأوراق النقدية الجديدة

يعتبر إعادة تصميم اليورو تقدماً، لكن العملية «الشاملة» كانت بطيئة جداً، لدرجة أن الأوراق النقدية الجديدة لن تظهر إلا بعد انتهاء ولاية لاغارد، لتضيف بحسرة: «لن أتمكن من توقيع الأوراق النقدية لأن الأمر استغرق وقتاً طويلاً – وهذا أمر مؤسف».

غياب القيادة الأوروبية القوية

وبذلك، يظهر غياب زعيم أوروبي قوي – سواء على المستوى التاريخي كما هو الحال مع الأوراق النقدية، أو بالمعنى الجيوسياسي المعاصر، مما يجعل من الصعب إيجاد توازن مع ترامب، حيث يبدو الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي كأنه مجموعة من الكشافة تُواجه المافيا، تذكّر هذا عندما تنظر إلى ورقة اليورو في المرة القادمة.