
مراسلو الجزيرة نت، نُشر هذا المحتوى بتاريخ 1 سبتمبر 2026، وآخر تحديث له كان في الساعة 16:33 بتوقيت مكة المكرمة.
عادت قضية تزوير الأرقام الوطنية في ليبيا لتتصدر المشهد العام من جديد، وذلك بعد أن بدأت اللجان التي شكلها النائب العام بنشر نتائج تحقيقاتها للرأي العام تباعًا. هذه التحقيقات، التي استغرقت عامين كاملين، كشفت الستار عن تزوير 48 ألف قيد وطني لصالح أجانب في مدن ومناطق ليبية متعددة، كما ربطت بعض قضايا غسل الأموال والتحركات المالية المشبوهة بجوازات وأرقام وطنية مزورة، مما يؤكد أن المخاطر لم تعد تقتصر على السيادة والتغيير الديموغرافي فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب أمنية واقتصادية بالغة الأهمية.
تزامن هذا الكشف مع إعلان لجنة برلمانية للجزيرة نت عن عزمها مراجعة شاملة لكافة القوانين المتعلقة بهذا التزوير، مما أثار تساؤلات حاسمة حول تداعيات هذا الاتساع في نطاق تزوير الأرقام الوطنية، وما يعنيه الاشتباه في عشرات الآلاف من القيود المزورة، وكيف أمكن أن تمر دون اكتشاف، وما هي الثغرات القانونية والإدارية التي سمحت بذلك، وما هو الموقف القانوني حيالها، وكيف يمكن مجابهة هذه الظاهرة المتنامية. في محاولة لاستيضاح الموقف الرسمي والإجابة على أبرز هذه التساؤلات، حاولت الجزيرة نت التواصل مع مكتب النائب العام، إلا أنها لم تتلق أي رد. يرى خبراء أن المخاطر المتعلقة بهذا التزوير قد تهدد العملية الانتخابية برمتها.
تهديد للسيادة
في سياق تبيانه للموقف القانوني، أوضح الأستاذ وعميد كلية القانون السابق بجامعة سرت، خليفة أحواس، أن التزوير في الوثائق الرسمية يُعد جناية واحدة لا تختلف في جوهرها، إلا أن تزوير الأرقام الوطنية يحمل أبعادًا أشد خطورة لما يمثله من تهديد مباشر للأمن القومي الليبي. وأضاف أحواس للجزيرة نت أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي في البلاد يُضعف من قدرة الدولة على مواجهة أي تلاعب بالوثائق الرسمية، مشيرًا إلى أن أبرز هذه المخاطر تحدق بالعملية الانتخابية، إذ إن تزوير الأرقام الوطنية كفيل بإبطال العملية الانتخابية برمتها وجعلها لاغية، مما يلقي بظلاله سلبًا على المسار الديمقراطي للبلاد.
من جانبه، اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس النواب، طلال الميهوب، أن تزوير الأرقام الوطنية يُعد تلاعبًا صريحًا بالهوية الليبية ومحاولة خطيرة لتغيير تركيبتها الديموغرافية، مؤكدًا للجزيرة نت أن اللجنة البرلمانية بصدد إعلان خطوات وصفها بالناجعة لمراجعة القوانين المتعلقة بتجريم هذه الأفعال والحد منها بفاعلية. وبدورها، أكدت أستاذة القانون الجنائي في جامعة بنغازي والخبيرة القانونية، جازية شعيتير، أن ظاهرة التلاعب بالأرقام الوطنية تُصنف ضمن أخطر القضايا القانونية، لما تنطوي عليه من مساس عميق بالهوية الوطنية وأمن ليبيا الاقتصادي والسياسي على حد سواء. وأوضحت للجزيرة نت أن أي عبث بالرقم الوطني يخضع لأحكام قانون العقوبات الليبي، الذي يُقرر معاقبة كل من زور محررًا رسميًا أو غيّر في بياناته بالسجن، وكذلك كل من استعمل محررًا مزورًا مع علمه بتزويره، حتى لو لم يكن هو من باشر عملية التزوير.
أسباب القصور
لكن الخبيرة شعيتير اعتبرت أن نصوص القانون الحالي غير كافية لمجابهة هذه الظاهرة، لأنه يُكيف هذه الأفعال بوصفها جنايات مخلة بالثقة العامة فحسب، وإذا ما ثبت أن الغاية منها هي زعزعة استقرار ليبيا أو الإضرار باقتصادها، فيمكن عندئذٍ توصيفها بأنها جرائم أمن دولة، مما يؤكد الحاجة الملحة لتشديد العقوبات ورفع تصنيف هذه الأفعال إلى مستوى جرائم أمن قومي نظرًا لما يُشكله تزوير الأرقام الوطنية من تهديد مباشر للتركيبة السكانية والسيادة الوطنية. وأرجعت شعيتير القصور القانوني إلى سببين رئيسيين:
* الأول: أن قانون العقوبات الليبي قديم العهد، إذ صدر سنة 1953، ولم يُصغَ لمعالجة تحديات عصر الرقمنة والمنظومة الإلكترونية الحديثة.
* الثاني: تشتت النصوص ذات الصلة بين قانون العقوبات وقانون الجرائم الاقتصادية وحتى قوانين الانتخابات المتعلقة بالتزوير، مما يُضعف وحدة الملاحقة القضائية وتكاملها.
في المقابل، أوضح مصدر يعمل في مكتب الأحوال المدنية -تحفّظ على ذكر اسمه- أن الرقم الإجمالي الذي أعلنه النائب العام ليس محصورًا في شبهات التزوير فقط، وإنما يضم أرقامًا وطنية أُلغيت لأسباب فنية أو إجرائية، مثل تكرار الرقم لنفس الشخص أو أخطاء في تاريخ الميلاد أو تحديد الجنس بشكل خاطئ، وقد أُدرجت لاحقًا ضمن خانة الأرقام المزورة، لكن النائب العام لم يوضح هذه النقطة بشكل كافٍ. وقال المصدر للجزيرة نت إن النائب العام ومصلحة الأحوال المدنية يتعاملان مع الملف كقضية جنائية بحتة، بدل النظر إليها باعتبارها مسألة حماية للهوية الوطنية، وانتقد إعلان النائب العام “بين الفينة والأخرى ضبط عدد من المزورين”، معتبرًا أن هذا النهج يمنح فرصة للمزورين الحقيقيين للتملص وإيجاد طرق بديلة أو التستر على جرائمهم.
وحول الثغرات ومكامن الخلل التي زادت من حجم التزوير، اعتبر المصدر نفسه أن الإشكال الحقيقي يكمن في تصميم الرقم الوطني الذي لم يُبنَ وفق معايير الجودة المطلوبة، كأن يُربط الرقم بتاريخ الميلاد ونوع الجنس، مما يجعل أي خطأ بسيط سببًا مباشرًا لاعتباره خاطئًا. كما أشار إلى ضعف البنية التقنية لنظام الرقم الوطني وغياب أدوات التحقق الدقيقة مثل بصمة اليد أو العين، الأمر الذي سهّل الحصول على أرقام وطنية وجوازات سفر مزورة بالاعتماد على إجراءات بسيطة يمكن التلاعب بها.
مخاوف
وحول مخاوف تأثير هذه القضية في التغيّر الديمغرافي وحقوق المواطنة، أوضح المصدر المسؤول أن هذه المسألة تُناقش وفق ثلاثة محاور أساسية:
* **المحور القانوني:** الذي يتبين من خلاله ضعف الوضع القانوني للجنسية في ليبيا، ودعا المصدر إلى سن قوانين تضمن حماية حقوق الأسر القاطنة في الصحراء الشرقية ومجموعة المحاميد التي أُوقفت أرقامها الوطنية بدعوى بطلان الجنسية، وهي قضية قد ترقى إلى “تمييز عنصري”.
* **المحور الاجتماعي:** يرى المصدر أن المتهمين بإحداث تغيير سكاني هم في الواقع جزء لا يتجزأ من المجتمع الليبي، حيث يدرس أبناؤهم في المدارس ويختلطون في المناسبات الاجتماعية والدينية، مما يُضعف من مصداقية التهويل الإعلامي حول التغيير الديموغرافي.
* **المحور الأمني:** اعتبر أن غياب إحصاءات دقيقة أو بطاقات هوية موثوقة للسكان يشكل خرقًا أمنيًا خطيرًا، مؤكدًا أن تجاهل الحصر الدقيق للقيود العائلية قد يفاقم الوضع الأمني والاجتماعي في البلاد بشكل كبير.
من جهته، اعتبر الأكاديمي والخبير القانوني، مجدي الشبعاني، أن وجود عشرات الآلاف من القيود المزورة يُعد تعديًا صارخًا على السيادة القانونية والنظام العام الدستوري لليبيا، وحذر في حديثه للجزيرة نت، من المساس بالسجل المدني الذي يُبنى عليه نظام الحقوق السياسية والاجتماعية بأكمله. وفي دعوته لحماية النظام العام والهوية القانونية للدولة، طالب الشبعاني النائب العام بالتحرك الفوري عبر عدة إجراءات:
- وقف احترازي مؤقت لأي تعديل أو إضافة على منظومة السجل المدني في الملفات محل الاشتباه إلى حين استكمال التدقيق القضائي الشامل.
- إصدار بروتوكول تحقيق ملزم يمنع أي قيد جديد أو تصحيح إلا عبر مسار قضائي رقابي مزدوج يضمن الشفافية والدقة.
- إلزام الجهة الإدارية المعنية بإنشاء وحدة تدقيق داخلي دائمة تعمل تحت رقابة قضائية مستمرة، حتى لا تتحول النيابة العامة إلى بديل دائم عن الإدارة في مهامها.
- الدفع نحو إطار تشريعي خاص يُجرّم الاتجار بالهوية الوطنية كنص مستقل بذاته، بهدف إسقاط القيود غير المشروعة دون المساس بحقوق الحسني النية الذين قد يكونون تضرروا بشكل غير مباشر.
