«في دهاليز الصمت، تكمن الأسئلة الأعمق حول البقاء والوجود» هل تخبو شعلة الوعي الفلسطيني الأصيل

«في دهاليز الصمت، تكمن الأسئلة الأعمق حول البقاء والوجود» هل تخبو شعلة الوعي الفلسطيني الأصيل

د. فايز أبو شمالة*

On يناير 23, 2026

سرق اللصوص ديكاً من أحد بيوت القرية، فثار جنون الرجل العجوز، ودفع أولاده للبحث عن السارق، لكن الأولاد لم يُبدوا اهتماماً كبيراً، فما قيمة ديك ماديةً، وهم يملكون عدة ديوك وفراخ في البيت، ومع ذلك، لم يتوقف الرجل العجوز عن حثهم على إيجاد سارق الديك، دون جدوى. بعد أيام، سرق اللصوص الماعز، فغضب الأولاد هذه المرة، وبدأوا يفتشون عن السارق، وحينها قال لهم الرجل العجوز: “ابحثوا عن الذي سرق الديك!”. اشتد غضب الأولاد، وهم يقولون: “يا أبانا، لقد سُرقت الماعز، وأنت تتحدث عن سارق الديك! ما قيمة الديك مقارنة بالماعز؟”. ضاعت الماعز ولم يعثر الأولاد على سارقها، لكن الرجل العجوز استمر في ترديد جملته: “فتشوا عن الذي سرق الديك”. بعد أيام، سرق اللصوص ثور الفلاحة، وهنا جنّ جنون الأولاد حقاً، فبدأوا يبحثون عن سارق الثور في كل مكان، ويسألون عابري السبيل عن مواصفاته، ويومها، قال لهم الرجل العجوز مرة أخرى: “فتشوا عن الذي سرق الديك”. زاد غضب الأولاد من أبيهم، وقالوا له: “أنت في ضلال مبين يا أبانا، أنت مشغول بمن سرق الديك، ولا تتحدث عن سارق الثور، ما قيمة الديك قياساً بثور الفلاحة؟”. فرد عليهم أبوهم: “الذي سرق الماعز وبعد ذلك سرق الثور، هو اللص نفسه الذي سرق الديك، لو ألقيتم القبض على اللص الذي سرق الديك، لما سرق الماعز، ولما سرق الثور، وقد يسرق اللص في الأيام القادمة أرضنا ونسائنا وشرفنا الوطني”.

سرقة الديك الفلسطيني: جذور الأزمة

ونحن الشعب العربي الفلسطيني، علينا أن نفتش عن الذي سرق الديك، لا أن ننصرف بالبحث عن سارق الماعز والثور فحسب، فإذا كانت حرب الإبادة الجماعية ضد أهل غزة توازي سرقة ثور الفلاحة، فإن القرار السياسي الفلسطيني، والاتفاقيات المبرمة مع العدو الإسرائيلي على مدار عقود طويلة، هي الديك الذي سرقه اللصوص من الشعب الفلسطيني، وحتى يومنا هذا، ورغم الدمار والخراب الذي لحق بالشعب الفلسطيني في غزة وشمال الضفة الغربية، ما زالت القيادة الفلسطينية أعجز عن الإقرار بأخطائها السياسية، وأضعف من أن تراجع نهجها الفكري والتنظيمي والعملي في مواجهة الصهاينة، وما تزال قيادة منظمة التحرير تتهرب من مسؤولياتها الوطنية، وتغيب عن المشهد، دون أن تعترف بأنها تسير في الطريق السياسي الخاطئ، وفي برامج سياسية تتستر على سارق الديك، بل وتغطي على جرائم أخرى لا نعلمها، وهي تتهرب من البحث الجاد عن اللص الذي سرق الديك، واختطف من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف بدولته، وسرق من قيادة السلطة قرار تقديس التنسيق والتعاون الأمني، تاركاً القرار الفلسطيني مقيداً بحسن نوايا الصهيونية، ومجمداً على مفارق الوهم بالحصول على دولة من خلال طاولة المفاوضات، ومن خلال الرجاء والتوسل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

التداعيات الكارثية لإهمال “سرقة الديك”

إن سرقة الديك المسكوت عنها هي السبب في تمدد المستوطنات الواثق على كل أرض الضفة الغربية، وسيطرة الوحوش على منطقة “ج” التي تمثل 60% من مساحة الضفة الغربية، وبعد أن أقام العدو الإسرائيلي أكثر من ألف حاجز يفصل بين المدينة والمدينة، وبين القرية والمدرسة، وبين الحارة والمسجد، وبعد إقامة حاجز استراتيجي من المستوطنات الصهيونية في منطقة الأغوار، لتفصل نهائياً بين الأردن العربي والضفة الغربية، والذي سرق الديك هو العدو الذي أعلن عن القدس عاصمة موحدة وأبدية لدولته، دون موقف غضب حقيقي من القيادة، وبعد أن دمر مخيمات شمال الضفة الغربية، تحت سمع وبصر الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، التي عجزت عن إصلاح نفسها، وعجزت عن محاربة الفساد الذي نهش لحمها، وعجزت عن ضبط المسار الوظيفي والحياتي والاقتصادي، الذي ما يزال مرتبطاً بذلك الاقتصاد الإسرائيلي.

الحقيقة المرة: من دمر غزة؟

ذلك هو الديك الذي سرقه العدو الإسرائيلي، وتغافلت عنه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ليأتي دمار غزة، وحرب الإبادة الجماعية كمتمم منطقي وموضوعي لمسار ثلاثين عاماً من محاربة المقاومة، وتقييد يد الشعب عن الثورة، ورضوخ القيادة الفلسطينية لكل الإملاءات الإسرائيلية في كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني، بما في ذلك ربط الوحدة الفلسطينية بالاعتراف العلني بدولة العدو على عموم أرض فلسطين.

دعوة للصحوة والمواجهة

على الشعب الفلسطيني أن يلقي القبض على من سرق الديك، ومن وضع لجام التنسيق والتعاون الأمني على فوهات البنادق المقاومة للاحتلال، وأغلق فمه دون صرخة غضب ضد إقامة دولة يهودية، تعمل بشكل جدي ومنهجي مدروس على ترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية.

*كاتب ومحلل سياسي فلسطيني