
تشهد مدن الخليج العربي تحولًا بيئيًا ملحوظًا في مواجهة التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، حيث تجاوز التشجير دوره الجمالي التقليدي، ليصبح أداة استراتيجية أساسية لإعادة صياغة المشهد الحضري وتخفيف العبء الحراري داخل المدن.
في هذا الإطار، تتسابق كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة على استيراد ملايين الأشجار سنويًا من قارات متنوعة، وذلك ضمن خطط طموحة لمعالجة الآثار السلبية للتوسع العمراني المتسارع الذي شهدته المنطقة على مدى العقود الماضية.
يأتي هذا التوجه ضمن رؤية مناخية شاملة تهدف إلى تحسين جودة الحياة، خفض درجات الحرارة في الأحياء السكنية، وتعزيز المساحات الخضراء في المدن الصحراوية التي تطورت لتصبح مراكز حضرية عالمية.
التوسع العمراني وارتفاع درجات الحرارة
شهدت مدن كبرى كالرياض ودبي وأبوظبي، خلال العقدين الماضيين، طفرة عمرانية هائلة، تجلت في إنشاء شبكات طرق واسعة، مبانٍ زجاجية شاهقة، ومجمعات سكنية ذات كثافة عالية.
أسفر هذا النمط العمراني عن ظهور ما يُعرف بظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية، حيث تسجل درجات الحرارة داخل المناطق المبنية ارتفاعًا يفوق المناطق المفتوحة أو الزراعية المحيطة بها بعدة درجات مئوية.
تمتص الأسطح الخرسانية والإسفلتية الداكنة أشعة الشمس نهارًا، محتفظة بالحرارة لساعات طويلة، مما يجعل الليالي أكثر دفئًا ويزيد الضغط على شبكات الكهرباء نتيجة للطلب المتزايد على التبريد.
تشير دراسات إقليمية إلى أن الشوارع المظللة بالأشجار قد تكون أبرد بما يتراوح بين خمس وعشر درجات مئوية مقارنة بالشوارع المكشوفة، كما تُظهر بيانات الأقمار الصناعية انخفاضًا ملحوظًا في حرارة أسطح الأحياء ذات الغطاء النباتي الكثيف.
لماذا يتم استيراد الأشجار؟
تعتمد بلديات الخليج على استيراد أنواع معينة من الأشجار من دول أوروبية، آسيوية، وأفريقية، يتم اختيارها بعناية فائقة بناءً على معايير دقيقة تشمل:
- القدرة على تحمل درجات الحرارة العالية جدًا.
- مقاومة الملوحة في التربة والمياه.
- تحمل فترات الجفاف الطويلة.
- توفير ظل واسع ونمو سريع نسبيًا.
يهدف هذا التنوع إلى تسريع عملية التخضير، بدلاً من الاقتصار على نمو الأشجار المحلية، خاصة في المشاريع الضخمة التي تتطلب تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية محدودة.
مشروعات ضخمة وأهداف بعيدة المدى
في العاصمة السعودية، يُعد مشروع حديقة الملك سلمان من أضخم المشاريع الحضرية الخضراء المخطط لها عالميًا، وهو جزء من رؤية شاملة لزيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء داخل المدينة.
كما أطلقت المملكة مبادرة السعودية الخضراء، التي تستهدف زراعة عشرة مليارات شجرة على مدى العقود القادمة، وذلك في إطار سعيها لخفض الانبعاثات وتحسين البيئة المحلية.
في الإمارات، تدعم الدولة مشاريع الأحزمة الخضراء وتوسيع زراعة أشجار القرم على السواحل، خصوصًا بعد استضافتها لمؤتمر المناخ COP28، حيث حرصت على ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للاستدامة والعمل المناخي.
لا تقتصر هذه المشاريع على الجانب البيئي فقط، بل تعكس كذلك توجهًا استراتيجيًا لإبراز التزام الدولتين بخطط التحول المناخي، في ظل التحولات العالمية المتسارعة.
التحديات البيئية والكلفة طويلة الأمد
بالرغم من الطموح الكبير، تواجه زراعة ملايين الأشجار في بيئة صحراوية تحديات معقدة، فكل شجرة مزروعة تتطلب منظومة دعم متكاملة تشمل:
- تركيب أنظمة ري بالتنقيط لتقليل هدر المياه.
- استخدام المياه المعالجة أو المحلاة لتلبية الاحتياجات المستمرة.
- توفير الحماية اللازمة من الرياح والعواصف الرملية.
- صيانة دورية تمتد لسنوات عديدة لضمان استقرارها ونموها.
تبرز مسألة استهلاك المياه كأبرز التحديات، حيث تعتمد المنطقة بشكل كبير على تحلية مياه البحر، وهي عملية تتطلب استهلاكًا عاليًا للطاقة، بالإضافة إلى أن سوء إدارة الري قد يؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية، مما يفرض ضغوطًا إضافية على الموارد الطبيعية المتاحة.
نحو تخضير أكثر استدامة وذكاء
استجابة لهذه التحديات، بدأت المدن الخليجية في تبني حلول أكثر توازنًا، ترتكز على الجمع بين الطموح البيئي والواقعية المناخية، ومن أبرز هذه التوجهات:
- إعادة استخدام المياه المعالجة لري الحدائق والمساحات الخضراء.
- تصميم أحواض خاصة حول الأشجار لتجميع مياه الأمطار النادرة، بدلًا من فقدانها.
- تطبيق أنظمة ري ذكية تعمل ليلًا للحد من معدلات التبخر.
- الاعتماد على مزيج من الأشجار المستوردة والأنواع المحلية المقاومة للجفاف، مثل الغاف، السدر، والأكاسيا.
توسع الاهتمام كذلك بحلول مكملة لتخفيف الحرارة، مثل استخدام مواد عاكسة في الأرصفة، إنشاء ممرات مظللة، وتقليل مساحات الإسفلت الداكن، مما يساهم في تخفيف تأثير الجزيرة الحرارية دون الاعتماد الكلي على التشجير وحده.
بين الترحيب الشعبي والأسئلة المفتوحة
يحظى انتشار الحدائق الجديدة والممرات المظللة بترحيب شعبي واسع، خاصة خلال أشهر الصيف شديدة الحرارة، حيث يشكل الظل عنصرًا أساسيًا في تحسين جودة الحياة للسكان.
مع ذلك، تظل هناك تساؤلات مطروحة حول التكلفة الاقتصادية طويلة الأمد للحفاظ على هذا الغطاء النباتي، وكذلك مدى قدرة البيئة الصحراوية على استيعاب توسع أخضر بهذا الحجم دون فرض ضغط إضافي على مواردها الطبيعية.
في الختام، يعكس توجه السعودية والإمارات نحو استيراد وزراعة ملايين الأشجار تحولًا جوهريًا في فلسفة التخطيط الحضري، إذ لم تعد المدن الصحراوية تكتفي بالتكيف مع مناخها القاسي، بل تسعى جاهدة لإعادة تشكيله قدر المستطاع.
يبقى التحدي الأكبر في تحقيق توازن دقيق بين الطموح البيئي والاستدامة الفعلية، لضمان تحول الأشجار من مجرد مبادرة تجميلية إلى ركيزة أساسية وراسخة في مستقبل المدن الخليجية.
