«في عمق العلاقة الشائكة» الوهادنة يفكك جدلية إرهاق الدولة بين مسؤولية الشعب وعبء الحكومة

«في عمق العلاقة الشائكة» الوهادنة يفكك جدلية إرهاق الدولة بين مسؤولية الشعب وعبء الحكومة

الدكتور: عادل محمد الوهادنة

إنّ السؤال المطروح ليس مجرد استفسار عابر، بل هو مرآة تعكس واقع دولة بأسرها، تتمعّن في ذاتها. هل ترهق الحكومة شعبها، أم أن الشعب هو من يُثقل كاهل الحكومة، أم أن العلاقة بين الطرفين قد انزلقت إلى دائرة من الاستنزاف المتبادل، غابت عنها الإدارة الواعية والتخطيط السليم؟ تتجلى هذه التساؤلات بوضوح في قضايا حيوية كملف الضمان الاجتماعي، مبادرات الدوام المرن، ومشهد طوابير الزيت التونسي المتكررة، التي لا تمثّل شكوى عابرة، بل محاولة معمقة لاستقراء البنية النفسية والاقتصادية التي تحكم العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وكيف يمكن بناء جسور الثقة المفقودة.

الضمان الاجتماعي: بين الثقة والقلق

لقد صُمم الضمان الاجتماعي ليكون ركيزة للاطمئنان وعقد ثقة طويل الأمد، إلا أن جوهر المشكلة لا يكمن في الأرقام بحد ذاتها، بل في غياب الإجابة الواضحة عن سؤال جوهري: هل يدرك المواطن تمامًا كيفية إدارة أمواله ومساهماته؟ عندما تتزايد البيانات وتفاصيلها دون تبسيط كافٍ، تتسع فجوة الإدراك والوعي، فالمواطن يسمع عن مليارات الدنانير المُدارة، بينما يرى راتبه التقاعدي محدودًا، مما يثير لديه القلق، ليس بالضرورة لكون النظام على وشك الانهيار، بل لغياب الشرح الوافي والشفاف.

تُرهق الحكومة شعبها، ليس عن قصد، بل بسبب ضعف التواصل المبسّط، وتحميلها الإعلام مسؤولية التوضيح دون تزويده بالأدوات الكافية أو المعلومات الشفافة. بالمقابل، يرهق الشعب الحكومة عندما يتفاعل مع قضايا الضمان الاجتماعي بمنطق الشائعات والتكهنات، بدلًا من اللجوء إلى الاستفسار المؤسسي والبحث عن المعلومة الموثوقة، مما يؤدي إلى قلق جماعي شامل، حتى وإن كانت المنظومة قادرة على الاستدامة بشروط واضحة ومُعلن عنها.

الدوام المرن: بين الإنتاجية والرفاهية

في أي دولة عصرية، لا يُقاس الدوام بعدد الأيام، بل بمستوى الإنتاجية والكفاءة المتحققة، وعندما يُطرح مقترح تقليص أيام العمل، ينقسم الرأي العام إلى فريقين: أحدهما يرى في ذلك رفاهية غير مستحقة، والآخر يعتبره إصلاحًا إداريًا ضروريًا. تخشى الحكومة من احتمالية انخفاض الإنتاجية العامة، بينما يخشى الموظف أن تُثبت عليه صورة المقصر أو المتهاون، ويخشى القطاع الخاص من اتساع الفجوة وتأثر الأداء الاقتصادي، والحقيقة المرة هنا أن لا أحد قام بقياس الإنتاجية الفعلية بدقة وموضوعية، ما يجعل النقاش برمته عاطفيًا بحتًا، بعيدًا عن المنطق المؤسسي الواعي. في هذا السياق، تُرهق الحكومة من ضغط الرأي العام المتقلب، ويتعب الشعب من قرارات تبدو تجريبية، تفتقر إلى مؤشرات واضحة للقياس أو التقييم.

طوابير الزيت التونسي: مرآة للاستقرار الاقتصادي

إن مشهد طوابير الزيت التونسي ليس مجرد حادثة تتعلق بسلعة واحدة، بل هو تعبير رمزي عن ضعف الثقة بالاستقرار السعري للسلع الأساسية، والخوف من ندرتها المحتملة، وسلوك جماعي يتسم بالتضخم الاستباقي. ترى الحكومة هذا المشهد فوضى استهلاكية غير مبررة، بينما يراه المواطن إجراءً وقائيًا لحماية ذاته وأسرته من تقلبات السوق، والطابور هنا لا يعكس بالضرورة جوعًا أو حاجة ماسة فورية، بل هو رسالة واضحة مفادها: “لا أثق أن هذه السلعة ستبقى متاحة بالسعر ذاته أو بكميات كافية”. في هذه الدوامة، يتعب الطرفان: الحكومة من ضغط الطلب المفاجئ وغير المتوقع، والشعب من القلق الدائم بشأن توفر أساسيات الحياة واستقرار أسعارها.

إذًا، يطرح السؤال نفسه: من منهما يُتعب الآخر؟ الحقيقة، التي قد لا تكون مقبولة شعبيًا، هي أن غياب الشفافية الدقيقة يرهق الشعب بالشكوك تجاه الحكومة، وفي المقابل، غياب الإدارة الاستباقية الواضحة يثقل كاهل الحكومة ويُربك الشعب، إنها ليست معركة بالمعنى التقليدي، بل هي علاقة غير متوازنة في إدارة التوقعات بين الطرفين. المشكلة الحقيقية لا تكمن في ملف الضمان، أو نظام الدوام، أو حتى في طوابير الزيت، بل تتجذر في جوهر إدارة الثقة المتبادلة. تُبنى هذه الثقة على معلومات واضحة ومبسطة، لا تقنية معقدة، وعلى قرارات مُعلنة بوضوح، مصحوبة بأهداف ومؤشرات قياس شفافة، ومساءلة متبادلة تُدار بلا شيطنة أو اتهامات مسبقة. عندما يشعر المواطن أنه شريك حقيقي لا مجرد متلقٍ سلبي، يتحول من عبء محتمل إلى طاقة إنتاجية فاعلة، وعندما تُدرك الحكومة أن النقد البناء يستند إلى فهم عميق لا إلى انفعالات عابرة، تتحول من موقع الدفاع إلى موقع التطوير والتحسين المستمر.

خلاصة القول، لا تُرهق الحكومة شعبها عمدًا، ولا يسعى الشعب إلى إثقال كاهل حكومته بقصد، لكن غياب الإدارة الفعالة للثقة المتبادلة يجعل كل قرار حكومي يبدو تهديدًا محتملًا، ويجعل كل رد فعل شعبي يبدو تمردًا أو رفضًا غير مبرر. إن منظومة الضمان الاجتماعي بحاجة ماسة إلى تبسيط واضح للمعلومات لا مجرد خطابات إنشائية، ومسألة الدوام المرن تتطلب قياسًا دقيقًا للإنتاجية لا مجرد انطباعات وتخمينات، أما مشكلة الطوابير، فتستدعي تحقيق الاستقرار النفسي للمواطن قبل أي معالجة اقتصادية بحتة. فالسؤال الحقيقي ليس “من يُتعب من؟”، بل “كيف يمكننا أن نُريح الدولة من توترها الدائم ونُطمئن المواطن من قلقه المتزايد، لنصل إلى معادلة متوازنة وعلاقة صحية؟”، وهنا فقط يبدأ الإصلاح الحقيقي والجاد.