قيادة تضع أبناءها في الصفوف الأمامية بينما الشعب يعاني من الفقر والحرمان

قيادة تضع أبناءها في الصفوف الأمامية بينما الشعب يعاني من الفقر والحرمان

كانت رفح نقطة النهاية المفتوحة للتاريخ، حين عجز المجتمع الدولي عن تدوين جملة حق واحدة، حيث وصل الحصار إلى ذروته، وبلغ الجوع مداه السياسي، وارتفع مستوى الخذلان إلى مستوى الخيانة الصامتة، ارتفعت رفح بوصفها آخر قلاع معنى الصمود، عندما انهارت جميع المعاني الأخرى من حولها.

معركة الوجود

ليس الأمر متعلّقاً بمعركة بقاء، فالبقاء غريزة، بل ما حدث في رفح كان قراراً واعياً للصعود فوق غريزة النجاة، فقد خرج رجالها ليحرسوا آخر تعريف شريف للحياة، في رفح انكشفت الأكاذيب الكبرى: كذبة المجتمع الدولي، كذبة الحياد، وكذبة إنقاذ المدنيين، وسقط بدلاً منها تعريف واحد لا يقبل المساومة، وهو أن الدم المسفوك دفاعاً عن الأرض يعتبر وثيقة سيادة.

مواجهة المفاهيم

لم تكن الأجساد هي التي قاتلت فقط، بل كانت المفاهيم؛ مفهوم الهزيمة، مفهوم الاستسلام، مفهوم النجاة الفردية، ومفهوم القيادة المنعزلة عن شعبها، وفي رفح سقطت هذه المفاهيم دفعة واحدة، ليظهر نموذج السيادة الجريحة، حيث توجّب أن تُنتزع تحت الحصار، وتتغذّى من الجوع، وتتعالى فوق الخذلان.

بيان اتهام للتاريخ

لم يخرج من رفح صراخ استغاثة، بل بيان اتهام للتاريخ، يشير إلى أن هذا العالم رأى، وفهم، وقرر ألا يتدخل، فأصبح شريكاً كامل الصلاحيات في الجريمة.

العاصمة المعنوية لصمود الفلسطينيين

في الأزمنة العادية، تُعرَّف المدن بوظيفتها العمرانية، بينما في لحظات الانكشاف الوجودي تُعرَّف بوظيفتها التاريخية، ورفح في هذه اللحظة انتقلت من تعريف المدينة المنكوبة إلى مقام الفاعل السياسي-الأخلاقي، الذي يعيد صياغة سؤال: من نحن؟ كيف نقاتل؟ وبأي وعي نموت ونحيا؟

جوع يتحول لقوة

قاتل رجال رفح بوصفهم حَمَلة مشروع كرامة، فقد تحوّل الجوع، الذي أُريد له أن يكون أداة إخضاع، إلى رافعة صلابة. أما الخذلان، الذي كان مُخطَّطاً له ليكون كسراً للإرادة، فقد انقلب إلى وقود مواجهة. هنا كان الجوع دليلاً على نقاء المعركة من شوائب الدعم المشروط، ولم يكن نقص الزاد مؤشراً على العجز، بل علامة على أن الميدان صار اختباراً خالصاً للإيمان بالمعنى وحده.

معركة بلا زاد

عندما نفد الزاد، لم ينكسروا، بل بدأت المعركة الحقيقية حين لم يتبقَّ سوى الجسد في مواجهة آلة الإبادة، وفي تلك اللحظة أصبحت القدرة على الثبات بلا سند هي أعلى درجات الردع.

صيغة الهجوم الأخلاقي

لم تصمد رفح لأنها تمتلك ما يكفي من القوة، بل لأن الصمود ذاته أصبح صيغة الهجوم الأخلاقي على عالم اختار أن يكون شاهد زور، هنا تحوّلت رفح من مدينة تُستدرّ لها الدموع إلى مدينة تُستدعى منها المعايير، معايير الشرف، ومعايير القيادة، ومعايير معنى أن تكون حياً تحت النار، لا خارجه، لهذا صارت رفح معياراً جديداً للهزيمة والانتصار معاً، الهزيمة لمن خذلها، والانتصار لمن بقي فيها يقاتل بلا زاد، بلا غطاء، بلا وهم، اليوم تُمثّل رفح نقطة إعادة ضبط للبوصلة الوطنية، فمن لم يفهم رفح، لن يفهم بعد اليوم معنى فلسطين.

صدام الفلسفات

في رفح، كان القتال صداماً بين فلسفتين للوجود، فلسفة تراهن على فائض النار، وفلسفة تراهن على فائض الإرادة، وهنا كان المقاتل مُسَوَّراً باليقين، ولم يكن جسده مدرَّعاً إلا بقرار واحد، هو أن لا يعود إلا حرّاً أو شهيداً.

إعلان الإفلاس

القتال بلا زاد يعني أن السيادة أصبحت محصورة في امتلاك المعنى، وعندما يُجرَّد الميدان من جميع شروط التوازن العسكري، ويبقى الإنسان وحيداً في مواجهة آلة الإبادة، فإن استمرار القتال يُعتبر انقلاباً على قوانين القوة ذاتها، هنا تنهار المعادلة الكلاسيكية التي تنص على أن “القوة تُقاس بما تملك”، ويُستبدل بها تعريف أكثر رعباً للخصم: “القوة تُقاس بما لا يستطيع كسره فيك”.

قرار سيادي

استمرار المعركة رغم انعدام الدعم العربي والدولي كان قراراً سيادياً بفك الارتباط عن وهم الرعاية، فقد خاضت رفح معركتها خارج شبكات الدعم المشروط، وخارج هندسة الضغط الدولي، وخارج تجارة البيانات القلقة، قاتلت وهي تعلم أن الظهر مكشوف بالكامل، وأن الخذلان صار واقعاً مُثبَتاً، ومع ذلك لم تتراجع، هنا ارتقت المعركة من مستوى الاشتباك العسكري إلى مستوى المواجهة مع البنية السياسية للعالم نفسه.

الإرادة المُسَلَّحة بالوعي

ظهر أخطر مصطلح في هذه المرحلة، وهو “الإرادة المُسَلَّحة بالوعي”، إرادة لا تُقاتل لأن لديها ما يكفي من العتاد، بل تقاتل لأنها امتلكت ما يكفي من الشرعية المعنوية للاستمرار. إرادة تعرف أن المعركة على معنى الأرض، وعلى من يحق له أن يُعرّف نفسه سيّداً فيها. الدلالة السياسية للقتال بلا زاد في رفح هي إعلان إفلاس لكل من راهن على كسر الإرادة عبر الحصار، كما أنها مذكرة اتهام تاريخية لعالم قرر أن يختبر إلى أي حد يمكن للإنسان أن يُترك وحيداً ومن ثم يُطالَب بأن يتصرّف بعقلانية.

التحول من الضحية إلى العز

في قلب رفح، حيث يختلط الركام بالغضب والغبار بالدم، كانت المعركة اشتباكاً على معنى الوجود نفسه، فالاحتلال أراد غزة صورة تثير الشفقة، لكنه صادف مدينة رفضت أن تكون عرضاً للعطف الدولي، ورفضت أن يتحول دم أبنائها إلى مادة للتسوية العاطفية، هنا تحولت سردية الضحية إلى سردية العز، لتصبح غزة مختبراً سياسياً للأمم التي اعتادت قراءة الفلسطيني على أنه مجرد ضحية، لا صانع قرار، ولا حامل مشروع. كل مشهد من الصمود، وكل جسد يقاتل بلا زاد، وكل دم يسطر الرواية، هو تحصين سياسي للرواية الفلسطينية، إذ أصبح التوثيق سلاحاً يواجه ماكينة تزوير التاريخ والحقائق، ويثبت أن المقاومة فعل حي، قائم على خيار واعٍ وإرادة لا تُقهر.

المعركة على الوعي

المعركة هنا، كما هي على الأرض، هي على الوعي، وعلى إرادة الناس، وعلى قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع الحقيقة كما هي، شجاعة حيّة تُصنع معنى جديداً للمقاومة، وتقلب آلة التبرير إلى فضيحة أخلاقية وسياسية، فغزة كانت تريد أن تقول للعالم إن الألم هو اتهام مفتوح لكل من صمت، وكل من حاول ترويض البطولة إلى حالة استجداء أو مأساة عاطفية، ففي هذه المدينة أضحت الكرامة تساوي القدرة على إعادة تعريف التاريخ والمعنى والسيادة، حتى من تحت الأنقاض.

وحدة الدم والقرار

في اللحظة التي جلس فيها غازي حمد على طاولة التفاوض، كانت يده ممدودة للدفاع عن شعب كامل، بينما كانت يد نجله في رفح تخوض المعركة في قلب الأرض، هذا المشهد لم يُمثل رمزاً سياسياً صارخاً، بل يُسقط الفصل المصطنع الذي حاول الاحتلال فرضه بين القيادة والميدان، بين السياسة والدم، وبين الاستراتيجية والمواجهة الحقيقية، هنا تجلّت وحدة القرار المقاوم في أبهى صورها، حيث لم يعد هناك فرق بين من يُفاوض بالبيانات والمطالب، ومن يقاتل بالرصاص والدم.

استشهاد أبناء القادة

استشهاد نجل غازي حمد قبل أيام، وقبله ارتقى نجل باسم نعيم -عضو الوفد المفاوض-، وقبلها نجل خليل الحية -رئيس الوفد المفاوض-، لم يكن حدثاً يُضاف إلى سجل الشهداء، بل كان وثيقة سياسية دامغة تُثبت أن المقاومة ليست مجرد شعار، وأن القيادة ليست في مأمن من كلفة الخيار. حين يقف أبناء القادة في الصفوف الأمامية، يتحطم تصور الامتياز التقليدي الذي حاولت بعض الروايات الخارجية فرضه، ويصعد مقياس المصداقية الوطنية إلى أعلى درجاته، حيث تتحول الشهادة من فعل شخصي إلى التزام عملي يُدفع ثمنه على الأرض نفسها التي يُدافع عنها الجميع.

الدم كوثيقة

رفح لم تسقط، ولم تنتظر رحمة العالم، ولم تُحوّل صمودها إلى مجرد مشهد استعطاف، هنا حيث تنهار معادلات القوة، ويغدو الجوع حاكماً على كل الإمكانيات، خرجت المدينة لتكتب صفحة العزّ الكبرى، الدم الذي سُفك كان وثيقة سياسية وحضارية تُثبت أن السيادة تُنتزع بالإرادة، وأن المقاومة هي التزام عملي على الأرض، في الميدان، وفي طاولة التفاوض، في قلب كل عائلة صامدة.

في لحظة تفاوض يقودها القائد، كان نجله يقاتل، لتتضح وحدة القرار ومصداقية الدم، هنا تنهار كل الصور المصطنعة التي حاولت عزل القيادة عن الشعب، والسياسة عن المعركة، لتصبح المقاومة جسداً وروحاً واحدة، ولا فصل بين الدم والإرادة، بين الاختيار والمعركة. استشهاد الأبناء كان إعلان سيادة سياسي، ودرس صادق لكل من أراد قراءة المقاومة كحكاية تُروى بلا دماء، أو قصة تُستدعى فيها الشفقة بدل البطولة.

بهذا المعنى، تمثل رفح مختبرًا للمعنى الوطني، ومنصة لإعادة تعريف القوة، وأرضية لترسيخ السردية التي ترفض أن تُسلب من شعبها، فمن تحت الركام، ومن قلب الجوع والخذلان، خرجت الرواية الفلسطينية الحقيقية: رواية الإرادة التي تتجاوز كل محدوديات، والدم الذي يُكتب به التاريخ، والقيادة التي تصنع مصير شعبها لا تتفرج عليه من بعيد.

الدرس الأخير الذي تتركه رفح واضح، أن الدم هو أعلى درجات التأكيد على أن السيادة خيار، وأن العزّ موقف، وأن البطولة فعل دائم ومطلوب من الجميع، من القائد إلى أصغر مقاتل، ومن الأرض إلى الطاولة السياسية.

في رفح، أصبح الدم حارساً للرواية، وصرخة المدينة أقوى من كل البيانات الدولية، والرسالة واضحة: من أراد أن يفهم فلسطين، فليفهمها من رفح أولاً، حيث الإرادة تعانق الموت لتعطي الحياة معنى حقيقياً للحرية.

المصدر / فلسطين أون لاين