
قراءة وتعليق: يوسف عبد الله محمود
يشغل الدكتور وليد عبد الحي، وهو كاتب وباحث أكاديمي متميز، العديد من المناصب، وقد برع في دراساته التي تستشرف آفاق المستقبل، مبتعدًا بذلك عن الحدس والتخمين، والواقع أن دراسة المستقبل أصبحت ضرورة علمية بحتة لها أهمية خاصة، حيث يذكرنا الدكتور وليد بمقولة ألبرت أينشتاين التي قالها عندما سُئل عن اهتمامه بالمستقبل: “لأني ذاهب إلى هناك”.
أهمية الدراسات المستقبلية
في كتابه، يشير الدكتور وليد عبد الحي إلى أن الدراسات المستقبلية أصبحت محل اهتمام واضح لدى الكثير من الباحثين بعد أن تخلوا عن التنبؤ القائم على الحدس، إذ أن عصرنا الحالي يختلف تمامًا عن العصور الماضية، فهو عصر تعتمد فيه التقنيات على علوم الإحصاء والمنطق والفلسفة والرياضيات.
القضية الفلسطينية في بؤرة الاهتمام
يؤكد د. وليد على صعوبة الحكم على التقنيات ما لم تُطبق في الواقع، وقد خصص جزءًا من كتابه للحديث عن الأبعاد المستقبلية للقضية الفلسطينية، وهي قضية لم تحظَ باهتمام جاد من العالم العربي، حيث وجد أن البعض يتجاهلها تمامًا.
العولمة والتحديات المعاصرة
يتناول المؤلف ظاهرة العولمة وما تترتب عليه من مساوئ، مبرزًا أن القوى الدولية في الوقت الحاضر تركز أكثر على درء الفساد بدلاً من تحقيق المكاسب، ومع ذلك، فإن عالمنا الحالي يعاني من التفكك بسبب هيمنة قوى عميقة مثل الولايات المتحدة وأوروبا التي أزالت البعد الإنساني من سياساتها.
إدارة العلاقات الدولية
تناول الدكتور وليد “مشكلة إدارة العلاقات الدولية في إطار قياس القوة”، حيث تسود القوة الغاشمة التي لا تعير القيم الإنسانية أي اعتبار، ولا تحترم الحكومات الدستورية، وقد انتقد غلبة المنظور الواقعي على المنظور القانوني، ما أدى إلى اختلال كبير في موازين القوى محليًا وإقليميًا ودوليًا.
موقف أمريكا من الصراع الفلسطيني
انتقد الكاتب الدعم الذي قدمه الرئيس الأمريكي السابق ترامب لسيطرة “إسرائيل” على الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري، وهو ما يعني، في رأيه، أن آفاق السلام العالمي تظل بعيدة المنال، وأن عصر الحروب الاستعمارية يستمر.
مخاطر الطاقة في العلاقات الدولية
أشار د. وليد إلى استخدام النفط والغاز في العلاقات الدولية، معبرًا عن قلقه إزاء ما جرى في فنزويلا من خطف رئيسها مادورو، مما يوضح “بلطجة” تمارس ضد دول ذات سيادة. كما سلط الضوء على الأزمة المحتملة بين “إسرائيل” وإيران، مشيرًا إلى أن وقوع المواجهة قد يكون محتملاً خصوصاً في ظل إدارات جمهورية مستقبلية.
مستقبل القدس
في فصل خاص عن مستقبل مدينة القدس، يؤكد المؤلف على أن الاتجاه العربي التفاوضي مع “إسرائيل” يدل على تراجع مستمر، محذرًا من أن الاعتراف بالقدس كعاصمة موحدة “لإسرائيل” لا يزال احتمالا قائمًا لدى بعض العرب.
إدراك أهمية المستقبل
يدرك الدكتور وليد عبد الحي أن المستقبل هو المجال الوحيد المتاح للتغيير، حيث لا يمكن استعادة الماضي، ولا يحتمل الحاضر التدخل في ظروفه، لذا فإن المستقبل يبقى البعد الوحيد الذي يمكن العمل عليه. كما يؤمن أن الدراسات المستقبلية تلعب دورًا حيويًا في توجيه القرار الاستراتيجي بالاستناد إلى التنبؤات المدروسة.
دعوة للاحتفاء بالدراسات المستقبلية
للأسف، فإن الدراسات المستقبلية التي تحظى باهتمام كبير في الدول المتقدمة لا نراها بنفس القدر في الدول النامية، بما فيها بلداننا العربية والإسلامية، حيث نادرة هي المؤلفات العربية التي تركز في هذا المجال وتعد مفيدة للطلاب. إن الدراسات المستقبلية تحت إشراف الدكتور وليد تُثري الاقتصاد والمجتمع والثقافة، وتساعد صناع القرار على اتخاذ قرارات استراتيجية تخدم الإنسانية.
ختامًا
إن التقليل من شأن هذا العلم يعوق اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة عن الارتجال والتخمين، وهو علم يهتم بالاحتمالات المستقبلية ويقدم رؤى جديدة تغير المضمون الاجتماعي والثقافي للحضارة الإنسانية.
ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية “أقرأ نيوز 24” مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليًا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرًا للجميع.
للدعم:
