كتاب “ضد المنطق” يكشف أزمة التعليم ويؤكد أن الغش تحول إلى صناعة متكاملة بوسائل وشبكات منظمة

كتاب “ضد المنطق” يكشف أزمة التعليم ويؤكد أن الغش تحول إلى صناعة متكاملة بوسائل وشبكات منظمة

ليس من السهل كتابة كتاب حول التعليم في مصر دون الوقوع في فخين شائعين: إما الكتابة بلغة جافة تقتصر على المتخصصين، أو صياغة النص بطريقة تحمل حنينًا للماضي مع إضافة فضائل لم تكن موجودة. ولكن كتاب «ضد المنطق.. قصة التعليم المصري من محمد علي باشا إلى إمبراطور الفيزياء»، الصادر عن دار «الشروق» للنشر والتوزيع، للكاتب الصحفي والباحث محمد توفيق، والذي سيصدر قريبًا في معرض الكتاب، يختار مسارًا ثالثًا أكثر جرأة، حيث يتناول قصة التعليم في مصر على مدى 200 عام، ليس كعمل اجتماعي فحسب، بل كسياسة حكومية، ويحلله بأسلوب يجمع بين السخرية والتحقيق الصحفي، مركزًا على كونه منظومة قيم وسلوكيات تشكلت عبر قرنين من الزمن.

التعليم كأثر وليس مجرد نظام

في الصفحات الأولى، لا يتعامل الكتاب مع التعليم بوصفه “مدرسة ومنهجًا وامتحانًا”، بل كأثر يتركه في العقل والشخصية والسلوك، أو يفشل في تركه. هنا، تتضح الفكرة المركزية للعمل: التعليم لا يُقاس بعدد المدارس أو حجم المناهج، بل بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى ممارسة، والممارسة إلى حياة متوازنة. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي: متى توقف التعليم في مصر عن أداء هذا الدور، وكيف تحول من أداة للترقي الاجتماعي إلى عبء نفسي واقتصادي يعاني منه الطلاب والأسرة والمعلم معًا؟

التعليم كفعل هدم

يبدأ الكتاب بمقولة صادمة بقدر ما هي بديهية: التعليم قد يكون وسيلة لهدم الأوطان إذا أُفرغ من مضمونه، وليس من خلال قرار سياسي فج، بل عبر تراكمات صغيرة: الحفظ بدل الفهم، والتلقين بدل التفكير، والامتحان بدل التعلم، والشهادة بدل الخبرة. في هذا السياق، لا يبدو الغش حادثًا طارئًا، ولا الدروس الخصوصية استثناءً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل عوّض التعليم عن جوهره.

ثقافة التعلم السطحية

الكتاب لا يكتفي بتشخيص المرض، بل يربطه ببنية اجتماعية كاملة تقبل بحياة تميزها “الأنصاف”: نصف معرفة، نصف وظيفة، نصف راتب، نصف طموح، حيث يقبل المعلم بأقل مما يستحق، ويطلب الطالب أقل مما يجب، ويدفع ولي الأمر ثمنًا مضاعفًا مقابل نتائج ناقصة، مما يؤدي لتكوين أجيال “نصف متعلمة” لا هي جاهلة تمامًا ولا واعية بما يكفي لتغيير واقعها.

الشهادة كجواز مرور

في هذا الإطار، يفرد الكتاب فصلًا كاملًا بعنوان “الشهادة الكبيرة”، والذي يُعتبر المفتاح لفهم علاقة المصريين بالتعليم. يعود توفيق إلى مايو 1880، حينما لم يكن بالإمكان العثور على أشخاص أكملوا تعليمهم بشكل جيد، ما دفع ناظر المعارف على باشا إبراهيم لاقتراح استحداث شهادة تُمنح لمن يُتم المرحلة الابتدائية، ضامنًا حدًا أدنى من الكفاءة، غير أنه لم يكن يدرك أن هذه الشهادة ستتحول إلى وثيقة اجتماعية تشكل وهمًا راسخًا.

من محمد علي إلى سؤال الأثر

عندما يستحضِر الكتاب تجربة محمد علي باشا، لا يفعل ذلك بدافع النوستالجيا، بل ليؤكد أن التعليم كان في تلك الفترة مشروعًا وطنيًا واضح الهدف. كان الهدف هو إعداد كوادر قادرة على إدارة جيش وترجمة علوم وبناء مصانع، حيث تحول التعليم إلى استثمار في “النوابغ”، عوضًا عن توزيع جماعي للشهادات.

الدروس الخصوصية كبديل

يخصص الكتاب قسمًا كبيرًا لتتبع الجذور التاريخية للدروس الخصوصية، حيث تظهر “المفهماتى” كشخصية اجتماعية نشأت في ظل فراغ الثقة بين المدرسة والأسرة، مشيرًا إلى أن كلما ضعفت المدرسة، تقدم البديل. لا يتناول الكتاب هذه الظاهرة كنتاج العقد الأخير فقط، بل يعود بها إلى مراحل مبكرة في تاريخ التعليم الحديث.

افتكاك الغش

من أبرز محاور الكتاب تتبع مسار الغش في الامتحانات، حيث يُنظر إليه على أنه تحول بنيوي، حيث يصفه الكاتب بأنه لم يعد تصرفًا فرديًا بل تحول إلى صناعة قائمة لها أدوات وشبكات، مما يحتم على القارئ أن يتناول الأسئلة المتعلقة بالعلاقة بين الغش والسياسة.

العلاقة بين التعليم والسياسة

يربط الكتاب بين التعليم والتحولات السياسية ليستفسر عن كيف تتغير المناهج مع تغير الأنظمة، محاولًا الإقتراب من هذه النقاط الحساسة بأدوات الثقافة وليس الشعارات. يقدم الكتاب نموذج امتحان كامل بأسئلة مُبتكرة، يجبر القارئ على تسليط الضوء على معرفته حول التعليم في مصر.

السخرية كأداة معرفة

تعتبر نبرة الكتاب الساخرة من الأجزاء الأساسية، حيث تستخدم كأداة لتعريه الأوضاع الغير منطقية، لا لخلق الضحك فقط، بل لتسليط الضوء على المشكلات الحقيقية. يطرح توفيق أسئلة عميقة حول غايات التعليم، في زمن تتسارع فيه التغيرات، مما يعيد ترتيب الأسئلة المهمة المتعلقة بتوجه التعليم مستقبلاً.

في الختام، يُعتبر “ضد المنطق” كتابًا يحاول استكشاف الحاضر عن طريق التعليق على الماضي، مما يفتح الباب أمام التفكير في مستقبل التعليم، إذا كان لكل امتحان “درجة نجاح”، فإن نجاح هذا الكتاب يكمن في قدرته على تحفيز القارئ على التفكير والتدقيق بعد انتهائه من القراءة.