كونفوشيوس يرفض الذهب في رؤية يوسف أبو لوز

كونفوشيوس يرفض الذهب في رؤية يوسف أبو لوز

في كل محاورات كونفوشيوس (ترجمة: محسن سيّد فرجاني)، لم أجد مقولة واحدة عن الذهب، بل قرأت ما ذكره عن الأرز، والموسيقيين، ومعظمهم كان من العميان في زمنه، كذلك، تحدث عن الثياب، وبالتأكيد الكثير من محاوراته تتمركز حول برّ الوالدين، أما المعدن الأسطوري الغنائي، فلا تبحث عنه عند كونفوشيوس، رجل الحكمة، وبلاط الملوك، بل إنّه كان يسعى للمناصب الرفيعة مثل القضاء، ودائمًا حوله تلاميذه ومريدوه الذين لا يسعون أيضًا وراء الذهب، كأنّ الصين كلها فلسفة وحكمة وأرز، لكن لماذا هذه المقدمة عن الذهب؟ فقد قرأت مؤخرًا خبرًا صغيرًا، يعلن فيه فندق «غراندا مبيرور» الذي افتُتح في الصين عام 2006، أنّه قد اقتلع سبائك ذهب حقيقية كانت تزيّن مدخل بهوه الرئيسي وباعها مقابل 12.8 مليون دولار أمريكي، مستفيدًا من الارتفاع الكبير في أسعار الذهب، واشتهر الفندق في الصين بممره الذهبي، حيث كانت عشرات من السبائك الذهبية مطروحة تحت أقدام نزلاء وزوّار الفندق، حيث تزن السبيكة الواحدة كيلوغرامًا، كُلها اقتُلعت وبيعت، وخلال عشرين عامًا مضت، مشى فوق هذا الصف الذهبي نساء ورجال وأطفال، كما لو أنّ كل واحد منهم يحقق في ذاته مجدًا رومانسياً، وهو يدعس على أغلى معدن في العالم وفي التاريخ، في حالة كهذه، يبرز دور الثقافة كأهم عنصر، الثقافة وجذورها وعلاقتها بالإنسان الذي ينتجها، وأما الجذور الثقافية للبلد الذي يحيط به أعظم أسوار الدنيا، فتتمثل في الإرث الكونفوشي الفكري والفلسفي، فكر رجل متواضع رفض كتابة أفكاره، ولولا تلاميذه، لضاعت حوارياته ومداخلاته اليومية، التي تحولت في ما بعد إلى روح الصين الحديثة، على شكل إحياء أو بعث جديد للفكر الكونفوشي، بخاصة مع مطلع تسعينات القرن العشرين، كونفوشيوس يرفض إهانة الكائنات، وحتى الأشياء، فكره إنساني مُصَفّى، فكر حي إلى اليوم، منذ حوالي خمسمئة عام قبل الميلاد، ولم يكن الرجل رجل مال أو أعمال، وقد عاب عليه ذات يوم أحدهم بأنه بلا حرفة تدر عليه مالاً وجاهاً، فأجابه: ماذا لو عملت إسكافياً؟ في قصة الفندق ذو الممرّ الذهبي، تم إهانة المعدن الأرستقراطي الأصفر والأحمر والأبيض مرّتين: المرة الأولى حين كانت السبائك تحت الأحذية، والمرة الثانية حين اقتلعت من حيّزها الجمالي الفني، وبيعت في السوق، لتتحول من رمزيتها الأيقونية التاريخية إلى مجرّد حفنة دولارات.