لحن “Spring Love Song” الخالد: حضور لا يبهت في الذاكرة

لحن “Spring Love Song” الخالد: حضور لا يبهت في الذاكرة

تُعد العلاقة بين الشعر والموسيقى نسجًا فنيًا يثري الوجدان ويُخلد الإبداع، حيث تتجسد الكلمات في ألحان خالدة، وتتراقص النغمات على وقع المشاعر الإنسانية، ولطالما كانت هذه العلاقة مصدر إلهام للعديد من الفنانين.

يظهر الملحن تران هوان (يسارًا) والملحن نغوين فييت في صورة التقطت عام 2000، وهما رمزان بارزان في المشهد الموسيقي الفيتنامي، واللذان ساهما في إثراء هذا الفن العريق.

الملحن تران هوان: فنان الكلمة واللحن

برع الملحن تران هوان، على مدار مسيرته الموسيقية الطويلة والحافلة، في تحويل العديد من القصائد الشعرية إلى أعمال غنائية خالدة، فقد ألهمته قصائد مثل “ربيع صغير” لثانه هاي، و”تهويدة على سفح التل” لنجوين خوا ديم، وكذلك قصيدة دو كوي دوان التي استوحى منها أغنية “سماع أغنية نغي تينه الشعبية في موسكو”، وكانت إحدى أبرز إبداعاته أغنية “أغنية حب الربيع” التي استلهمها من قصيدة تحمل الاسم ذاته للشاعر نجوين لوان.

نشأة “أغنية حب الربيع”

ينحدر الشاعر نغوين لوان من مقاطعة نغي آن، حيث خدم كضابط شرطة مسلح، مكلفًا بحراسة جسر هين لونغ خلال سنوات الحرب، وبعد توقيع معاهدة السلام في عام 1975، تم تسريحه من الخدمة، ليختار مدينة هوي موطنًا ثانيًا له، وفي أكتوبر 1978، كتب لوان قصيدته “أغنية حب الربيع” في هوي، معبرًا بصدق عن مشاعر جندي يرقب التوترات على الحدود، وفي الأيام التي سبقت رأس السنة القمرية الجديدة لعام 1979 (عام الماعز)، غمرت الفرحة قلب الشاعر عندما تلقى خبرًا سارًا من الشاعر فان لوي، الذي كان يشغل منصب رئيس تحرير مجلة بينه تري ثين الثقافية حينها، حيث قال له: “لقد أبدى الملحن تران هوان إعجابًا كبيرًا بقصيدتك “أغنية حب الربيع” التي نُشرت في عدد رأس السنة القمرية، وقد قام بتلحينها بالفعل”.

صعود “أغنية حب الربيع” إلى الشهرة

بفضل لحنها الشجي وكلماتها العميقة والآسرة، لم يمضِ وقت طويل حتى اكتسبت أغنية “أغنية حب الربيع” شعبية واسعة، وأصبحت محبوبة لدى جماهير غفيرة، ووفقًا لشهادة الشاعر نغوين لوان، فقد بُثت الأغنية على تلفزيون هوي، وبعدها بفترة وجيزة، وصل صداها إلى إذاعة فيتنام الوطنية، حيث أداها الثنائي الشهير كيو هونغ وثو هين، وفي هوي نفسها، كانت “أغنية حب الربيع” حاضرة بقوة في المهرجانات والعروض الخارجية التي أقيمت في حديقة ثونغ باك، بأداء ثنائيات مميزة مثل مونغ ثو وترونغ تين، أو نهات سينه وبيتش نغا.

اللحظات الأولى لـ “أغنية حب الربيع”

لا تزال الذكريات حية في ذهن الملحن نغوين فييت ومحاضرة الموسيقى فام ثي بيتش نغا، حيث يتذكران بوضوح كيف كان الملحن تران هوان يقود دراجته نحو منزلهما ليشاركهما أغنيته الجديدة، ويروي الملحن نغوين فييت تلك اللحظة قائلًا: “كان ذلك في أوائل عام 1979، وكان الطقس قارس البرودة، وكنا أنا وزوجتي نُعدّ وجبة العشاء عندما سمعنا تران هوان ينادي من خارج الباب، وبيده دفتر يحتوي على أغنية “أغنية حب الربيع”، وعلى الفور، أمسكتُ بآلة الأكورديون خاصتي وغنيتُ له لحنه الجديد، كان اللحن، على الرغم من حداثته، يبدو مألوفًا للغاية، وفي غرفتنا الصغيرة الكائنة في مجمع دونغ دا السكني، انطلقت أغنية “أغنية حب الربيع” لأول مرة، مفعمة بالدفء والعذوبة، وكأن الربيع قد حلّ بكل ألحانه وكلماته”.

تعديلات مقترحة على الكلمات

استطرد الملحن نغوين فييت حديثه، قائلًا: “بعد أن استمع الملحن تران هوان إلى لحني الجديد، بدا سعيدًا جدًا وسألني عما إذا كانت لدي أي اقتراحات بخصوص الأغنية، اقترحتُ عليه استبدال عبارة “الأرض تتحرك وتزدهر”، التي كانت مجازية نوعًا ما، بكلمة “انتقال” لجعلها أسهل في الغناء، وافق تران هوان برأسه وشطب الكلمة القديمة بقلمه، ومع ذلك، لوحظ لاحقًا أن بعض المغنين استمروا في استخدام “الأرض تتحرك وتزدهر”، بينما اختار آخرون “الأرض تتحول وتزدهر”.

العبقرية الموسيقية في “أغنية حب الربيع”

وفقًا لتحليل الموسيقي نغوين فييت، فقد صاغ الملحن تران هوان هذه الأغنية في سلم “لا الصغير”، ولكن عند الانتقال إلى المقطع الثاني، أي الكورس، أحدث تغييرًا جريئًا بنقله إلى سلم “لا الكبير”، هذا التحول أضفى على الموسيقى إشراقًا وتألقًا، وعبر ببراعة عن حيوية الربيع وروح الشباب العاشق الذي يكرس نفسه للنضال ضد الغزاة ولبناء الوطن، والأهم من ذلك، تمكن تران هوان من ابتكار لحن ساحر يجمع بين جمال الكلمات وسلاسة اللحن الموسيقي ببراعة فائقة.

ذكريات بيتش نغا مع الملحن تران هوان

تحمل محاضرة الموسيقى فام ثي بيتش نغا في ذاكرتها العديد من الذكريات الجميلة مع الملحن تران هوان، فقد كان من عادته أن يزور منزلها كلما انتهى من تأليف أغنية جديدة، ويطلب منها غناءها ليختبر مدى إتقانها أو ليكتشف أي أجزاء قد تحتاج إلى تحسين، وتظل أغنية “أغنية حب الربيع” هي الأبرز والأكثر حيوية في ذاكرتها، تقول بيتش نغا: “لقد شعرت بسعادة غامرة لكوني أول من أدى “أغنية حب الربيع”؛ رأيت الفرحة واضحة في عيني الملحن وابتسامته، وهو الملحن الذي طالما أكننتُ له إعجابًا كبيرًا، لقد أضفى لحن الأغنية أجواء احتفالات رأس السنة القمرية (تيت) المميزة على عائلتي في تلك الفترة”.

مدينة هوي: مصدر إلهام لتران هوان

وُلد الملحن تران هوان، واسمه الحقيقي نغوين تانغ هيتش، في تام كي بمقاطعة كوانغ تري، ومع ذلك، احتلت مدينة هوي مكانة خاصة في قلبه، بدءًا من سنوات دراسته في مدرسة كوك هوك الثانوية، ومرورًا بفترة توليه منصبًا قياديًا في قطاع الثقافة والفكر بمقاطعة بينه تري ثين، وفي هذا الصدد، علّقت الدكتورة نغوين ثي هونغ ها، ابنة الملحن تران هوان، قائلةً: “مدينة هوي كانت حاضرة دائمًا في جميع أعمال والدي، فلقد كانت أغانيه التي تدور حول هوي مؤثرة ومليئة بالإيمان والتفاؤل، خاصةً خلال الفترة التي عاش وعمل فيها هناك، وهذه الأغاني تحديدًا هي التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بذاكرة شبابي هناك”.

الموسيقى كمنارة أمل في حياة تران هوان

تستعيد الدكتورة نغوين ثي هونغ ها ذكريات فترة الحرب قائلةً: “كان والدي نشطًا في ساحة معركة تري ثين، وكنا وقتها نسكن في هاي فونغ، ولم نكن نتلقى منه سوى رسائل قليلة، ولم تكن أمي وأنا نعرف أنه لا يزال على قيد الحياة إلا عندما نستمع إلى إذاعة صوت فيتنام ونسمع أغانيه الجديدة، بعد معاهدة السلام، انتقلت عائلتنا بأكملها للعيش والدراسة في هوي، وعلى الرغم من صعوبة الحياة وشح الموارد، كما كان حال العديد من العائلات الأخرى، ظل والدي متفائلًا دائمًا بفضل شغفه بالموسيقى، فكلما انتهى من تأليف أغنية جديدة، كان يمسك بآلة الغيتار أو المندولين الخاصة به، ويقودنا نحن أطفاله في الغناء معه، كان يبدو أصغر سنًا بكثير في تلك اللحظات، كما أتذكر والدي دائمًا؛ فمهما كانت أعماله شاقة، كان دائمًا مبتهجًا ومتفائلًا في المنزل بصحبة غيتاره وأغانيه، يمكن القول إن الموسيقى كانت بحد ذاتها وسيلته لتحقيق التوازن في حياته”.

تكييف الكلمات لتعزيز الرسالة

أدرج الملحن تران هوان جميع المقاطع التسعة من قصيدة الشاعر نغوين لوان في أغنيته، لكنه أجرى تعديلات طفيفة وذكية على بعض الكلمات، فمثلاً، حوّل أبيات نغوين لوان التي تقول: “في عينيكِ المبتسمتين – خضرة حقول الأرز – يديكِ الراقصتين – صوت قناة خضراء” إلى: “في عينيكِ المبتسمتين – خضرة البطاطا الحلوة والكسافا – في يديكِ الجميلتين – صورة قناة بعيدة”.

وعلقت الدكتورة نغوين ثي هونغ ها على هذه التفاصيل المذهلة، مشيرة إلى أن “البلاد كانت تمر بفترة عصيبة للغاية بعد الحرب، وربما قام والدي بتعديل كلمات الأغنية لتعكس الظروف الواقعية حينها، ما زلت أتذكر أنه في تلك السنوات، كان يتعين علينا نحن الطلاب أن نعمل في زراعة الكسافا في بينه دين ونام دونغ، وزراعة الفلفل في تان لام، بالإضافة إلى العمل في مشاريع الري في نام سونغ هونغ ونام ثاش هان، لاحقًا، قام بعض المغنين بتغيير كلمة “الكسافا” إلى “الأحلام”، لكنني أرى أن هذا التغيير غير دقيق، لأنه يقلل من القيمة التاريخية التي تحملها الأغنية”.

أثر “أغنية حب الربيع” على الأجيال

ولعل العديد ممن عايشوا تلك السنوات الصعبة في البلاد، لا يزالون يتذكرون أعياد رأس السنة الفيتنامية (تيت) البسيطة والدافئة في الماضي، كلما استمعوا إلى لحن أغنية “أغنية حب الربيع” وهو يعزف في مكان ما، بكلماتها التي تقول: “لقد حلّ الربيع يا حبيبي، المطر الأول منعش وبارد – لقد حلّ الربيع يا حبيبي، لقد أشرقت الشمس من جديد…”.

المصدر: أقرأ نيوز 24