
بعد جدل داخلي عميق وشعور بالمعارضة تجاه التعديلات المقترحة، أرى أن النقاش الدائر حول مقترح تعديل قانون الضمان الاجتماعي لا يجب أن يُنظر إليه كصراع بين مؤيد ومعارض، ولا يحق لأي كاتب أو اقتصادي أو مدافع أن يصف الرفض الواسع لهذه التعديلات بالشعبوية أو ما شابه ذلك. بل يتطلب الأمر وعيًا من جهات الاختصاص، باعتباره محاولة وطنية للتوفيق بين حقيقتين لا يمكن إغفال أي منهما، وهما: ضرورة الحفاظ على الاستدامة المالية للنظام، ووجوب صون الثقة التي بناها المواطنون مع مؤسسة الضمان الاجتماعي عبر سنوات طويلة من الالتزام.
تحديات الاستدامة المالية وأهمية الإصلاح
من الواضح أن التحديات الاقتصادية والتحولات الديموغرافية تستوجب على الدول مراجعة أنظمة التقاعد بانتظام، فالحفاظ على قدرة الضمان الاجتماعي على دفع الرواتب التقاعدية للأجيال الحالية والمستقبلية يمثل هدفًا أساسيًا لا يقبل التأجيل. أي إصلاح يرمي إلى حماية استقرار الصندوق على المدى الطويل هو في جوهره حماية لحقوق المشتركين أنفسهم، وليس انتقاصًا منها. يجب التنويه إلى أن نقاط التعادل اللازمة للاستدامة لا تقتصر على المشتركين الجدد فقط، بحيث يقتصر التعديل عليهم كما يطالب الكثيرون، بل إن من ينتظر حقوقه التقاعدية في نقطة التعادل الأولى أو قبلها، إذا توافقت مع سن تقاعده المتوقع، سيكون هو أيضًا ضمن دائرة الخطر ما لم نجد الحلول المناسبة، وقد تكون التعديلات المقترحة، أو ما هو أقل منها بقليل، هي الحل الوحيد المتاح، وهنا يقع على صانع القرار واجب التوسع إعلاميًا في توضيح أهمية التعديل، حتى لمن اقتربوا من سن التقاعد.
الثقة في توجهات الدولة ومعيار نجاح الإصلاح
في الوقت ذاته، تبقى الثقة في توجهات الدولة راسخة، فلا يمكننا افتراض أن أي حكومة تسعى إلى الإضرار بالمواطن، بل إن الهدف المعلن من التعديلات يكمن في ضمان استمرارية نظام الحماية الاجتماعية وقدرته على أداء دوره لعقود قادمة. ومع ذلك، فإن نجاح أي إصلاح لا يقاس بصحته المالية فحسب، بل يتوقف أيضًا على مدى شعور الناس بعدالته ووضوح تأثيره الإيجابي على حياتهم.
ضرورة مراعاة حقوق المشتركين الحاليين
لقد التزم المشتركون لسنوات طويلة بشروط واضحة، وبنوا خططهم المستقبلية على أساسها، لذلك فإن أي تعديل يتطلب حساسية عالية في التطبيق، مع مراعاة خاصة للفئات التي قد تتأثر أكثر من غيرها. إن معالجة أي خلل يمس هذه الفئات يمكن أن يمتص أكثر من 50% من حالات الرفض، وفي مقدمتها تبرز المرأة العاملة.
المرأة العاملة: حلقة أساسية في معادلة الإصلاح
دخلت المرأة الأردنية سوق العمل خلال العقود الماضية في ظروف اجتماعية واقتصادية معقدة، وكثيرًا ما حملت مسؤوليتين في آن واحد، وهما: العمل خارج المنزل وإدارة شؤون الأسرة داخله. العديد من العاملات لم ينظرن إلى التقاعد كهدف قريب بقدر ما اعتبرنه ضمانة للاستقرار المستقبلي، ولهذا، فإن أي تغيير في شروط التقاعد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المسار المهني والاجتماعي للمرأة، وأن يُصمم بطريقة تمنحها الأمان بدلاً من القلق.
توازن الإصلاح بين الاستدامة والإنصاف
الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تعديل الأرقام فحسب، بل يهدف إلى تحقيق توازن عادل بين الاستدامة المالية والإنصاف الاجتماعي. كلما شعر المواطن بأن كلفة الإصلاح موزعة بعدالة، ازدادت ثقته بالمنظومة وارتفع مستوى التزامه بها. أما إذا بدا الإصلاح وكأنه عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة، فإن الهدف الإصلاحي نفسه قد يفقد جزءًا كبيرًا من أثره الاجتماعي المنشود. ومن الأمثلة على ذلك، حجم وعدد المسميات والأعضاء المقترح تشكيلها في الهيكلة الجديدة للمؤسسة، وما يرافقها من امتيازات وطريقة اختيار، والتي تحتاج إلى قراءة معمقة بنفس حجم وأهمية قراءة التعديل على سن التقاعد.
دعم التعديل مع السعي لتحسينه
من هذا المنطلق، فإن دعم التعديل، الذي يشكل أساس استدامة المستقبل، لا يعني إغفال الحاجة إلى تحسينه وتجويده، بل العمل على ضمان انتقال تدريجي ومتوازن يحفظ حقوق المشتركين الحاليين، ويمنح الأجيال القادمة نظامًا أكثر استقرارًا. الإصلاح الناجح هو الذي يطمئن الناس بأن ما دفعوه طوال سنوات عملهم سيبقى أساسًا ثابتًا لحقوقهم المستقبلية.
العدالة الحقيقية بين حماية المؤسسة والإنسان
قد نشعر بالغضب كمشتركين؛ لأننا نطمح إلى الكمال والمصلحة الشاملة في جميع حقوقنا، ولكن العدالة الحقيقية تكمن في البحث عن حلول تراعي الظروف الاقتصادية للأردن، مع إبراز أن يكون المواطن الحلقة الأساسية في جوهر المعالجة. فالإصلاح المستدام هو الذي يحمي المؤسسة ويحمي الإنسان في الوقت نفسه. لذلك، لا يهمني معرفة من أوصلنا إلى هذا الوضع أو محاسبته، بل يهمني أن أتقاضى راتب التقاعد كاملاً غير منقوص في المستقبل، لئلا أكون في وضع مشابه لما آلت إليه بعض النقابات مؤخرًا، التي تأخرت في دفع مستحقات مشتركيها أو أنقصتها إلى مستوى الربع، بالرغم من تباهيها بخبراتها في “هندسة” الكثير من الأمور.
الضمان الاجتماعي: رسالة طمأنينة وعقد اجتماعي
في الختام، يبقى الضمان الاجتماعي رسالة طمأنينة قبل أن يكون مجرد معادلة مالية. كل تعديل ينجح في تعزيز استدامته مع الحفاظ على حس العدالة، خاصة تجاه المرأة العاملة، يمثل خطوة نحو بناء عقد اجتماعي أكثر توازنًا وثقة بالمستقبل.
