«لقمة العيش صراع يومي» الخفض الموسمي لا يداوي وجع الغلاء المزمن الموائد اللبنانية شهادة حية على المعاناة

«لقمة العيش صراع يومي» الخفض الموسمي لا يداوي وجع الغلاء المزمن الموائد اللبنانية شهادة حية على المعاناة

مع مرور حوالي عشرة أيام على بدء شهر رمضان للمسلمين وفترة الصوم لدى المسيحيين، أطلقت وزارة الاقتصاد مبادرة “سوا بالصيام” التي تهدف إلى التخفيف من كلفة السلة الغذائية الأساسية، وذلك عبر تخفيض أسعار 21 سلعة رئيسية بنسب تتراوح بين 15 و20 بالمئة، وتشمل هذه المبادرة 27 سوبرماركت و180 نقطة بيع موزعة على الأراضي اللبنانية كافة، وفي ظل ترحيب وتشديد على ضرورة هذه الخطوة، تباينت آراء المواطنين حول مدى فعاليتها وتأثيرها الحقيقي على مائدة الصائمين اليومية. وقد كشفت جولة أجرتها “المدن” على عدد من المحال التجارية والأسواق في بيروت عن مواقف متباينة بين الصائمين، ففي حين رأى البعض فيها تخفيفًا جزئيًا للأعباء المالية، طالب آخرون بضرورة توسيع نطاقها وتثبيتها لتصبح سياسة دائمة على مدار العام.

نجاحٌ ظرفي

توضح سعاد، ربة منزل، أن المبادرة ساهمت في تخفيف محدود لتكاليف بعض السلع الأساسية مثل الأرز، السكر، والزيت، معربة عن أملها بأن يمتد هذا التخفيض ليشمل جميع أشهر السنة، إذ أن أزمة الغلاء ليست موسمية، ويؤيدها الموظف أبو أحمد في هذا الرأي، مشيرًا إلى أن المبادرة تبرهن إمكانية ضبط الأسعار عند توفر الإرادة، لكنه يطالب بتحويلها إلى سياسة دائمة بدلاً من كونها إجراءً مؤقتًا، من جانبه، يرى جورج أن مبادرة “سوا بالصيام” تمثل خطوة إيجابية ومناسبة في توقيتها خلال فترة الصوم الكبير، خصوصًا أنها تركز على المواد الأساسية، فخلال الصوم يزداد استهلاك الحبوب، البقوليات، الزيت، والسكر، وأي تخفيض، ولو كان بسيطًا، على هذه السلع يساهم في تخفيف الأعباء عن العائلات، متمنيًا ألا تعاود الأسعار الارتفاع بعد انتهاء هذا الموسم.

تقشّف في اللحوم والحلويات

على النقيض، أعرب عدد من المواطنين عن اضطرارهم لتقليص قائمة مأكولاتهم الرمضانية والاستغناء عن أصناف أساسية، وفي مقدمتها اللحوم التي شهدت ارتفاعًا هائلاً في أسعارها، بينما عكست سميرة، وهي معلمة مدرسة، عدم كفاية نسب التخفيض المعلنة، مشيرة إلى استمرار ارتفاع أسعار الخضار، الحبوب، واللحوم، وأكدت أنها باتت تختصر مكونات أطباقها الرمضانية بشكل ملحوظ، بعدما كانت في السابق تعد مائدة أكثر تنوعًا، ولا يخفي أبو عادل، الموظف المتقاعد، حزنه الشديد لعدم قدرته هذا العام على جمع أبنائه وأحفاده على مائدة رمضان بسبب الظروف المالية الصعبة، وقالت أم علاء إنها رحبت بمبادرة تخفيض أسعار 21 سلعة غذائية، لكنها لاحظت فروقات واضحة في الأسعار بين المتاجر المختلفة، مشيرة إلى أن احتياجات المنزل لا تقتصر على الغذاء بل تشمل أيضًا مستحضرات التنظيف، المياه، والكهرباء التي يزداد استهلاكها بشكل ملحوظ خلال الشهر الفضيل.

فيما يلي أبرز أسعار بعض السلع التي اشتكى المواطنون من ارتفاعها:

السلعةالسعر التقريبي
كيلو لحم البقريتجاوز 13 دولاراً.
كيلو الحلوياتيصل إلى 20 دولاراً.
كيلو صدر الدجاجحوالي 9 دولارات.
كيلو البندورةيتجاوز 200 ألف ليرة لبنانية.
كيلو الخياريتجاوز 200 ألف ليرة لبنانية.
الخس والحشائشأسعار مرتفعة جداً.

يتساءل أبو هاني، معيل أسرة مكونة من خمسة أفراد، عن جدوى تخفيض أسعار سلع محدودة بينما تبقى الأسعار الأخرى مرتفعة بشكل لا يتناسب مع دخله، مضيفًا أن معاناته كسائق أجرة لا تقتصر على غلاء السلع الغذائية فحسب، بل تمتد لتشمل تكاليف البنزين، الكهرباء، المولدات، أقساط المدارس، وجميع أساسيات الحياة الأخرى.

صرخة المواطن وتشديد العقوبات

في ظل تلاقي شكاوى المواطنين حول محدودية مبادرة تخفيض الأسعار مع مطالبهم بتوسيعها وتثبيتها، أوضح الدكتور محمد أبو حيدر، المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة، في حديث لـ “المدن”، أن دوريات مصلحة حماية المستهلك تواصل عملها بشكل يومي لمتابعة السلة الغذائية، مشيرًا إلى أن الأمور تحت السيطرة ضمن السلة المتفق عليها، وهناك اتفاق واضح بين الوزارة وأصحاب السوبرماركت، ولفت إلى أن التجاوزات تحدث بشكل أساسي خارج نطاق الـ 21 سلعة المشمولة بالمبادرة، أو في نقاط البيع التي لا تندرج ضمن الـ 180 سوبرماركت المتعاقد معها، كما أكد أبو حيدر أن مديرية حماية المستهلك قد كثفت دورياتها بشكل غير مسبوق في جميع أنحاء لبنان، وتشمل جولاتها أسواق الخضار، محلات العصائر والحلويات، ومتاجر بيع اللحوم، الأسماك، والدواجن، مثنيًا على قيام بعض المحال بتخفيض أسعار سلع خارج السلة الأساسية وتقديم عروضات شملت أكثر من 25 سلعة، وحول مخاوف المواطنين من أن تكون المبادرة مجرد إجراء مؤقت تعود الأسعار بعده للارتفاع، شدد أبو حيدر على ضرورة المضي قدمًا في تعديلات قانون حماية المستهلك لجعل العقوبات رادعة، مؤكدًا أن بعض التجار يطمحون لتحقيق أرباح غير مشروعة مستغلين ضعف الغرامات المالية، وأضاف: “كل صرخة مواطن هي صرخة محقة، صحيح أننا نقوم بدوريات دائمة ويومية ونحيل المخالفات إلى القضاء، لكن تبقى العقوبة هي الرادعة، وإذا لم يتم إقرار اقتراح القانون المقدم من النائب فريد البستاني برفع الغرامات وتشديد العقوبات، لكي لا نسمح لبعض تجار الأزمات بتحصيل أرباح غير مشروعة على حساب المواطن، فستبقى المشكلة قائمة”.

نجاح المبادرة

من جانبه، صرح وضاح وليد شحادة، الرئيس التنفيذي للمخازن وتعاونيات لبنان، لـ “المدن” بأن المبادرة حققت نجاحًا ملحوظًا، حيث دفعت الموردين إلى خفض أسعارهم، مضيفًا أن المخازن وتعاونيات لبنان التزمت بدورها بتخفيض أسعار 21 سلعة غذائية أساسية بناءً على طلب وزارة الاقتصاد، وقد شملت هذه السلة المواد التي يحتاجها الصائم بشكل خاص خلال شهر رمضان المبارك وفترة الصوم، مثل العدس، الزيت، السكر، الأرز، مختلف أنواع المعلبات، وحتى التمور، ويهدف شحادة إلى مساندة المواطن والحفاظ على ثقته بالمؤسسات المحلية، متمنيًا على وزارة الاقتصاد النظر في الاقتراح الذي تقدمت به المخازن وتعاونيات لبنان، والقاضي بتأمين “ساعة كهرباء مدعومة” للمحلات التجارية الكبرى، على غرار القطاع الصناعي، وفيما يخص احتمال ارتفاع الأسعار مستقبلاً نتيجة لقرار الحكومة رفع سعر صفيحة البنزين وزيادة ضريبة القيمة المضافة، أكد شحادة أنهم لم يتلقوا حتى الآن أي إخطار من أي مورد برفع أسعار أي سلعة.

يوضح الجدول التالي أبرز نسب التخفيضات المعلنة:

الجهةنسبة التخفيضالسلع المشمولة
مبادرة “سوا بالصيام” (وزارة الاقتصاد)15% إلى 20%21 سلعة أساسية.
الموردون (بفعل المبادرة)10% إلى 15%سلع مختلفة.
المخازن وتعاونيات لبنان5% إلى 7%اللحوم والخضار.

وهكذا، تبقى مائدة الإفطار في لبنان مرآة صادقة تعكس معاناة اللبنانيين الدائمة، المتأرجحة بين مبادرات حكومية مؤقتة وأزمات اقتصادية مزمنة، وبين صرخة المواطن المطالبة بحياة كريمة ومسؤولية الدولة في تحقيق الاستقرار، يبقى الأمل معلقًا بأن يتحول خفض الأسعار الجزئي من مجرد استثناء موسمي إلى سياسة اقتصادية عادلة وطويلة الأمد، تكفل حفظ كرامة الناس وتلبي احتياجاتهم الأساسية على مدار العام.