لماذا استمر استقرار أسعار الذهب رغم تصاعد وتيرة الحرب

لماذا استمر استقرار أسعار الذهب رغم تصاعد وتيرة الحرب

منذ نشوب حرب إيران في 28 فبراير، كان من الطبيعي أن يراهن الكثيرون على ارتفاع قوي في أسعار الذهب، فالمعدن الأصفر يُعتبر في أذهان المستثمرين الملاذ الآمن الأول عند ارتفاع المخاطر واضطراب الأسواق، ولكن ما حدث هذه المرة كان مختلفًا تمامًا.

تفاعل الذهب مع أحداث الحرب وتأثيراته المتباينة

ظل الذهب مرتفعًا بنحو 18% منذ بداية العام، واحتفظ بمعظم تداولاته فوق مستوى 5000 دولار للأونصة، إلا أنه لم يتمكن من بناء موجة صعود جديدة مع اندلاع الحرب، بل تحرك ضمن نطاق ضيق نسبياً وتراجع في بعض الجلسات، رغم المخاطر التي طالت قطاعات الطاقة والتجارة والتضخم.

التداولات الأخيرة وتوجهات الأسبوع

وفي تداولات اليوم الجمعة، ارتفع المعدن بشكل طفيف مستعيدًا جزءًا من خسائره بعد تراجع استمر يومين، حيث اقترب من مستوى 5100 دولار للأونصة، لكنه لا يزال يسجل تراجعاً أسبوعياً بنحو 1.6%، وهو أول انخفاض أسبوعي متتالي منذ نوفمبر.

العوامل التي أدت إلى تراجع الذهب رغم توقعات الدعم

المفارقة أن العوامل التي كان يُفترض أن تدعم الذهب تحولت في جزء كبير منها إلى عناصر ضغط، ما جعل المعدن يبدو أقل بريقًا مما كان متوقعًا، خاصة في لحظة يُفترض أن تكون مناسبة له نظريًا.

تأثير سوق الطاقة على التضخم وارتباطه بالذهب

وفقا لتقرير لصحيفة الشرق، فإن السبب الأول يتمثل في سوق الطاقة، حيث عطلت الحرب إنتاج النفط وعمليات التكرير في الشرق الأوسط، وأدت إلى اضطرابات في الشحن عبر مضيق هرمز، مما دفع بأسعار خام برنت إلى الارتفاع، ويبقى قرب 100 دولار للبرميل بعد أسبوع من التذبذبات الحادة في أسواق الطاقة.

السعر الحاليتقريبًا 100 دولار للبرميل

العلاقة بين التصاعد الجيوسياسي وأسعار الذهب

عادة، يُفترض أن يؤدي تصاعد الخطر الجيوسياسي إلى دعم مباشر للذهب، لكن السوق لم تنظر إلى الأزمة من منظار الخوف فحسب، بل من زاوية ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، مما زاد من احتمالية بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط على الذهب بشكل غير مباشر، نظراً لعلاقته العكسية مع أسعار الفائدة الأميركية.

توقعات التضخم وأسعار الفائدة الأمريكية

رغم تباطؤ التضخم الأساسي في الولايات المتحدة خلال فبراير، إلا أن هذه البيانات لم تكن كافية لطمأنة المستثمرين، خاصة وأن السوق كان يراقب ما يمكن أن يحدث إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، وهو ما حال دون تقليل توقعات رفع سعر الفائدة، خاصة بعد صدور بيانات تُظهر استمرار الطلب على إعانات البطالة عند مستويات منخفضة، مما يعزز الاعتقاد باستمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وضرورة السياسة النقدية المشددة لفترة أطول.

وتُشير توقعات السوق إلى أن فرص خفض الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي القادم ضئيلة، مع احتمالية 80% لخفض واحد فقط خلال العام الحالي، وهو ما يزيد من ضغط التكاليف على المعدن الأصفر، نظرًا لعلاقته بعوائد السندات وأسعار الفائدة المرتفعة.

الدور المتزايد للدولار كمصدر للسيولة والملاذ الآمن

في أوقات الأزمات، لا يكفي أن يكون الأصل آمناً فقط، بل يجب أن يكون أيضاً سريع التسييل، وهنا استعاد الدولار الأمريكي موقعه كملاذ آمن، حيث أظهر قدرة واضحة على استقطاب المستثمرين الباحثين عن السيولة، خاصة مع تفضيل السوق للعملة الأكثر استخدامًا وتداولا في لحظات التوتر، مما أدى إلى سحب جزء كبير من الطلب الدفاعي من الذهب.

قال كريستوفر بودين دي لارش، نائب الرئيس التنفيذي للاستثمار في (NCM)، إن “الأسواق شهدت هروباً نحو الأصول السائلة، مما دعم الدولار وضغط على الذهب”، لكنه أضاف أن المعدن لم يفقد صفته الدفاعية بالكامل، حيث لم ينخفض عن مستوياته قبل الحرب، مما يدل على بقاء بعض الطلب في السوق.

تأثر العملات الأخرى وتراجع العوائد على السندات

بالإضافة إلى ذلك، أدت قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط إلى تعرض سوق السندات لعملية بيع، مما دفع العوائد إلى الارتفاع، وارتفعت عوائد السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ أغسطس، وهو ما يعيق جاذبية الذهب، كونه أصل لا يدر عائداً، حيث تزداد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به مع ارتفاع العوائد.

مستوى العائدمرتفع إلى أعلى مستوى منذ أغسطس

الذهب كمصدر للسيولة وفقدان بعض دعمه في السوق

خلال التقلبات الحادة التي صاحبت الحرب، بدأ الذهب يلعب دورا جديدا كمصدر للسيولة داخل المحافظ الاستثمارية. حين تتعرض أقساط أخرى من المحافظ للخسائر، يختار المستثمرون بيع الذهب بسرعة للحصول على النقد، وهو ما يفسر انخفاض الحيازات في صناديق الاستثمار، حيث سجل صندوق (SPDR Gold Shares) أكبر تراجع منذ أكثر من عامين، رغم تدفقات جديدة في بعض الأيام.

وتظهر هذه الديناميكية أن الذهب لم يعد فقط ملاذاً آمنًا في زمن الأزمات، بل أصبح يُستخدم أحيانًا كركن تسويقي لتمويل أصول أخرى أو لتوفير السيولة عند الحاجة، مما يضعف دوره كحماية مباشرة من التوترات الجيوسياسية.

السلوك غير المعتاد في تقلبات الذهب خلال الحرب

من الملاحظ أن تقلب الذهب الضمني جاء أضعف من تقلب مؤشر S&P 500، منذ بداية الحرب، وهو تباين غير معتاد، إذ لو كان الذهب يتحرك بشكل سلبي مع التوترات الجيوسياسية، لكان من المتوقع أن يزيد تقلبه بشكل كبير، لكن الأداء أظهر استقراراً نسبياً وتحركاً ضمن نطاق محدود، رغم تدهور سوق النفط والأخبار العسكرية.

يشير ذلك إلى أن الذهب لم يكن مجرد أداة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية، بل استُخدم كأصل يخفف من حدة الصدمة، مما أدى إلى استقرار أسعاره نسبياً عند مستويات حول 5200 دولار للأونصة، مع تراجع ملحوظ في التقلبات المتوقعة، بالرغم من استمرار التوترات.

تباطؤ مشتريات البنوك المركزية وتأثيره على السوق

لو استمر الطلب الرسمي على الذهب في النمو، لكان السوق أكثر قدرة على تحمل الضغوط، لكن تباطؤ مشتريات البنوك المركزية مع بداية العام غير النظرة. ففي يناير، بلغت المشتريات 5 أطنان فقط، مقارنة بمتوسط شهري عام 2025 بلغ 27 طناً، مما يمثل تراجعاً واضحاً في أحد أهم عوامل الدعم السوقي الطويل الأمد.

مشتريات البنوك المركزية في يناير 20255 أطنان فقط
متوسط شهري العام الماضي27 طن

ويرى الخبراء أن هذا التوقف في عمليات الشراء مؤقت، مع توقع أن تستأنف البنوك شراء الذهب لاحقاً، لكن بمعدلات أقل مما كانت عليه في السنوات السابقة، مع استمرارها عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

تأثير التطورات السياسية على الطلب السيادي على الذهب

لم تقتصر الضبابية على الأوضاع الطويلة الأمد فقط، بل كانت هناك تطورات حديثة تعزز الشكوك، خاصة مع تردد بولندا وروسيا في طلبات شراء الذهب أو استمرارها فيه، إذ تراجعت بولندا عن أن تكون أكبر مشترٍ للذهب في 2025، وبدأت تظهر مخاوف من احتمال تحولها إلى بائع. أما في روسيا، فقرار وزارة المالية بتعليق مبيعات وشراء الذهب والعملات الأجنبية، تزامناً مع مراجعة سعر النفط المرجعي، زاد من مستوى عدم اليقين، خاصة مع كون روسيا ثاني أكبر بائع للذهب في الماضي وأهم البائعين في يناير.

الفضة كإشارة تحذير للأسواق

شهدت الفضة تراجعاً جزئياً في الدعم، وسط قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط، وهو ما يعبر عن توسيع نطاق التحوط واستراتيجية الدفاع لدى المتداولين. عندما تنخفض الفضة في بيئة كهذه، غالباً يُعتبر ذلك مؤشراً على تراجع الزخم في المعادن النفيسة عموماً، حيث يُنظر إليه كإشارة تحذيرية لضعف أداء الذهب، خاصة مع تنامي مخاوف استمرار الضغوط على أسواق المعادن الثمينة.