
عندما كان لدي الثقة في وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، رغم عدم معرفتي السابقة به، فالتقائي به كان محدودًا، حيث تم ذلك مرتين فقط: الأولى في مكتبه عند توليه الوزارة، والثانية في لجان الحوار المجتمعي التي نظمتها الوزارة لمناقشة مشروع البكالوريا الجديد.
قد أثار رهانى عليه بعد أن لاحظت امتلاكه لرؤية واضحة ومتفردة تتعلق بتحديات التربية والتعليم، وقد تابعت خطواته في تنفيذ تلك الرؤية وبدأت أرصد إنجازاته، ما جعل بعض المنتقدين يتحدون ذلك، ولا يزال بعضهم عند موقفهم حتى اللحظة.
ومع ذلك، استمررت في تقديم النقد البناء، إذ لمست الكثير من الإنجازات التي حققها هذا الرجل في فترة زمنية قصيرة، تفوق ما شهدته وزارة التربية والتعليم على مدى الخمسين عامًا السابقة، حيث تابعت نشاطاته في جميع محافظات مصر، وزياراته للمدارس، وتواصله مع مديري المدارس وقيادات الوزارة.
منذ الشهر الأول من توليه المسؤولية قبل عام ونصف، تمكن من إعادة الطالب والمدرس إلى المدرسة مجددًا، بعد أن كانا قد ابتعدا عنها لصالح الدروس الخصوصية، مما أعاد للمدرسة دورها التربوي في صياغة وتنمية شخصية الطالب. كما بدأ يعمل على تقليل كثافة الفصول، التي وصلت فيها الأعداد إلى 140 طالبًا، دون انتظار أي دعم حكومي أو بناء مدارس جديدة تحتاج لسنوات طويلة وتكاليف ضخمة.
نجح أيضًا في علاج العجز في عدد المدرسين، خصوصًا في المواد الأساسية، كما أضاف نظام البكالوريا الذي التحق به حتى الآن 95% من طلاب الصف الأول الثانوي، وأعاد هيكلة العديد من المناهج الدراسية، كما خفض من وقع الدروس الخصوصية التي كانت تبدأ من الثامنة صباحًا في المراكز التعليمية.
استمرار وزير التربية والتعليم
تحقيق الكثير من الإنجازات بكفاءة، جعلني أثق في استمرار وزير التربية والتعليم خلال التعديل الوزاري الأخير؛ لاستكمال ما بدأه، وهو ما أظهره بوضوح القيادة السياسية، إذ استطاع العمل على تحقيق ما تحتاجه هذه القيادة من تحسين مستوى التعليم في مصر، الذي شهد معاناة على مدى عقود طويلة.
سأستشهد بما ذكره د. عادل النجدي، عميد كلية التربية الأسبق بجامعة أسيوط، في منتدى “فياض هنا الجامعة” الذي أطلقه، حيث قال في مقاله: “ستظل قضية التعليم في مصر من القضايا الأكثر تعقيدًا، نظرًا لارتباطها بملايين المواطنين وتأثيرها العميق على مستقبل الدولة.” قد تراكمت مشكلات المنظومة التعليمية على مر السنوات الطويلة، مما جعل منصب وزير التربية والتعليم دائمًا محل نقد مجتمعي، خصوصًا في أوقات التعديلات الوزارية عندما تخلو الرؤية أو تتهاوى القدرة على مواجهة التحديات المستمرة.
ورغم تباين الآراء بشأن أداء الوزير ورغبة بعض أولياء الأمور في التغيير، فإن النظرة الموضوعية لمسيرته خلال عام ونصف منذ توليه المنصب تكشف أنه أسس مجموعة من الخطوات الهامة التي تستحق التحليل.
من أبرز تلك الخطوات الحضور الميداني غير المسبوق، حيث اتبع الوزير نهجًا قائمًا على النزول إلى أرض الواقع، وزار مختلف محافظات الجمهورية، وتواصل مباشرة مع الطلاب والمعلمين ومديري المدارس، واستمع لمشكلات الميدان بشكل مباشر بعيدًا عن التقارير المكتبية.
على صعيد تطوير المرحلة الثانوية، تم إدخال نظام البكالوريا المصرية الذي يهدف إلى تخفيض العبء الدراسي ومنح الطلاب فرصًا للتحسين، مع تحديث المناهج الدراسية لتلبية متطلبات سوق العمل. وفي إطار تحسين التعليم، صدر قانون جديد للتعليم العام والفني، ليحل مكان القانون القديم، متضمنًا نصوصًا تتناسب مع التطورات والتي تركزت على التعليم الفني والتكنولوجي.
كذلك، عززت الوزارة تعاونها مع الجانب الياباني، من خلال نموذج المدارس المصرية اليابانية وإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي في التعليم الثانوي، بالإضافة إلى شراكات فعالة مع ألمانيا وإيطاليا في تطوير التعليم الفني، لتأهيل كوادر مؤهلة لسوق العمل المحلي والدولي.
كما استطاعت الوزارة متابعة إنجازاتها في مواجهة مشكلات مزمنة، مثل نقص عدد المعلمين، وذلك من خلال تعيينات جديدة وحلول غير تقليدية أسفرت عن تقليل كثافة الفصول، وإعادة الطلاب للمدرسة بعد غياب لسنوات بأساليب مبتكرة، مثل التقييم المستمر، مع تطوير المناهج الدراسية لتشمل تحديثات في مجالات الرياضيات بالتعاون مع خبراء يابانيين، وتطوير مناهج اللغة العربية والإنجليزية والدراسات الاجتماعية من مرحلة رياض الأطفال حتى الصف الثالث الإعدادي.
ورغم الإنجازات، تواجه المرحلة المقبلة تحديات كبيرة، أبرزها القضاء على الغش في الثانوية العامة، وضمان نجاح تطبيق نظام البكالوريا، واستكمال تطوير المناهج للإعدادية والثانوية، مع متابعة تعيين المعلمين وتوسيع إنشاء المدارس لتقليل الكثافة الطلابية بشكل مستدام.
إن قدرة وزير التربية والتعليم على استكمال مشروعه الإصلاحي في المستقبل ستحدد موقعه في سجل وزراء التعليم في مصر، فإذا حقق هذه الأهداف، قد يُخلد التاريخ اسمه كأحد أبرز القادة الذين قاموا بتطوير حقيقي في منظومة التعليم بالقرن الحادي والعشرين، وستبقى مسألة التعليم، كعادتها، المشروع الوطني الأهم والرَهان الحقيقي على مستقبل مصر.
