
أكد الصحفي الاقتصادي إبراهيم السنوسي أن توقعات البنك الدولي لنمو الاقتصاد الليبي لعام 2026 تمثل واقعًا ملموسًا، وليست مجرد تفاؤلات مبالغ فيها.
توقعات النمو الاقتصادي وأداء القطاع النفطي
أوضح السنوسي، في مداخلة على قناة “سلام” رصدتها صحيفة الساعة 24، أن البنك الدولي توقع نمو الاقتصاد الليبي بنسبة 13.3% مقارنة بالعام السابق، مؤكدًا أن هذا الرقم قد تحقق بالفعل وتجاوز التوقعات السابقة، مستندًا في ذلك إلى معايير وضوابط محددة، كان أبرزها الأداء الإيجابي للقطاع النفطي الذي شهد زيادة ملحوظة في الإنتاج وتحسنًا في أسعار النفط خلال العام الماضي.
تحسن الناتج المحلي والإصلاحات المالية
أشار السنوسي إلى أن هذا النمو شمل الناتج المحلي الإجمالي بشكل عام، سواء من الإيرادات النفطية أو غير النفطية، ما أسهم في تحسين الوضع المالي العام للدولة، وخصوصًا فيما يتعلق بالنفقات الحكومية التي يمثل بند المرتبات جزءًا كبيرًا منها. وأضاف أن تنظيم صرف المرتبات لنحو 50% من القطاع الحكومي عبر منظومة “راتبك لحظي” ساعد في ترشيد الإنفاق والحد من الفساد المرتبط بالمرتبات غير المستحقة، ما يعزز بدوره توقعات النمو الاقتصادي خلال العام المقبل.
إنتاج النفط وتوحيد الحسابات المالية
بيّن السنوسي أن إنتاج النفط في ليبيا بلغ متوسطًا يقدر بمليون و300 ألف برميل يوميًا، رغم أن التقديرات كانت تشير إلى إمكانية الوصول إلى مليون و600 ألف برميل، مؤكدًا أن الإصلاحات التي تنفذها المؤسسة الوطنية للنفط بدعم من ميزانيات حكومة الوحدة المؤقتة، ستسهم في زيادة الإنتاج، الأمر الذي يرفع نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي. كما شدد على الأهمية القصوى لتوحيد الحسابات المالية للدولة ضمن ما يعرف بـ “حساب الميزانية الموحد” لضمان إدارة مالية أكثر كفاءة واستقرار اقتصادي أكبر.
معايير البنك الدولي وتحديات الإنفاق العام
أوضح السنوسي أن البنك الدولي يعتمد نماذج معيارية وأسسًا محددة لتقدير نسب النمو، ويأخذ في الاعتبار مؤشرات تحسين المالية العامة، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، مؤكدًا أن هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر على توقعات النمو. وأضاف أن تحقيق نمو اقتصادي حقيقي يرتبط بتحسين إدارة الإنفاق العام، خاصة في إطار الاتفاق بين مجلسي الدولة والنواب لترشيد النفقات وتحديد أولوياتها بدقة، بما يضمن ترجمة التقديرات إلى واقع ملموس يعكس تحسين مستوى معيشة المواطنين وزيادة مداخيلهم.
تحديات المصرف المركزي وعرض النقود
أكد السنوسي أن مصرف ليبيا المركزي يعمل ضمن السياسات الاقتصادية والمالية للدولة، لكنه يواجه تحديات جمة بسبب الانقسام المؤسسي بين مقره في طرابلس وآخر في بنغازي، ما يزيد من المخاطر على الاقتصاد الوطني. وأوضح أن حجم عرض النقود الحالي قد تجاوز 180 مليار دينار، وهو رقم يفوق قدرة الاقتصاد على استيعابه، مما يؤدي إلى استهلاك أي دولار وارد من صادرات النفط ويضاعف الضغوط على العملة المحلية.
اعتماد مفرط على النفط وهدر العملة الأجنبية
لفت السنوسي إلى أن نمو عرض النقود غير مدعوم بإيرادات غير نفطية أو استثمار محلي كافٍ، معتمدًا بشكل رئيسي على الإيرادات النفطية، وهو ما يقلل من فعالية السياسات النقدية في معالجة الأزمات الاقتصادية الراهنة. وأضاف أن اختلال دور وزارتي الاقتصاد والمالية في الرقابة والتخطيط أدى إلى هدر كبير للعملة الأجنبية، حيث تجاوزت النفقات على الاعتمادات المستندية وبعض النفقات الخارجية 30 مليار دولار، مقابل عجز يقارب 7 مليارات دولار، ما يعكس غياب التنسيق بين السياسات النقدية والاقتصادية.
هدر الاعتمادات المستندية واقتراح حل جزئي
اعتبر المحلل الاقتصادي أن الهدر الأكبر للعملة الأجنبية يحدث عبر الاعتمادات المستندية المخصصة لاستيراد السلع المدعومة، والتي غالبًا ما تُباع في السوق السوداء بأسعار مرتفعة، مما يحوّل المواطن إلى “تاجر للعملة” بشكل غير مباشر. واقترح كحل جزئي زيادة الحصة السنوية لكل مواطن ليبي من العملة الصعبة إلى 500 دولار، مع التحذير من أن هذه الخطوة ستظل محدودة الفاعلية إذا لم يتم تنظيمها بشكل يحد من استغلال التجار للعملة.
ضرورة الإصلاح المتكامل وتنويع الإيرادات
شدد السنوسي على أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تضافر جهود المصرف المركزي ووزارتي الاقتصاد والمالية، وتفعيل السياسات الاقتصادية والتجارية بشكل متكامل لضمان استقرار العملة وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. كما أشار إلى أن الانقسام المؤسسي الناتج عن الانقسام السياسي بين شرق وغرب البلاد، مع وجود حكومتين وبرلمان ومجلس دولة، يؤدي إلى تفاقم الإنفاق العام وانتشاره بشكل غير منضبط، ما يجعل من الضروري العمل على زيادة الإيرادات المحلية بالدينار وتنويع مصادر التمويل بدلًا من الاعتماد المفرط على النفط.
فرص الاستثمار والابتعاد عن الاعتماد النفطي
لفت السنوسي إلى وجود فرص استثمارية كبيرة باستخدام الكتلة النقدية الضخمة، التي تجاوزت 180 مليار دينار، في مشروعات تنموية متنوعة مثل القطاع العقاري وتمويل المشاريع الإنتاجية، مؤكدًا أن الاعتماد الدائم على الدولار الناتج عن صادرات النفط “ليس الحل الأمثل”، خاصة في ظل توقعات بانخفاض أسعار النفط وتأثر الأسواق العالمية.
الحاجة لبرنامج تنموي موحد
وفيما يخص الوضع المؤسسي، بيّن السنوسي أن ليبيا بحاجة إلى برنامج تنموي موحد بعيدًا عن العشوائية والتخبط الحالي، حيث تركز البرامج الحالية على مشاريع قديمة تعود لما قبل عام 2011 أو مشاريع جديدة موزعة بشكل غير منظم، داعيًا الأطراف في الشرق والغرب للتعاون مع الفاعلين الاقتصاديين، مثل صندوق الإعمار، لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
واختتم السنوسي مداخلته بالقول إن الهدف النهائي هو تحويل نسب النمو المتوقعة من البنك الدولي إلى واقع اقتصادي حقيقي يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز رفاهية المواطن، مشددًا على ضرورة التنسيق الكامل بين المصرف المركزي ووزارتي الاقتصاد والمالية لضمان نجاح هذه الجهود.
بيانات اقتصادية رئيسية
| المؤشر | القيمة/التقدير |
|---|---|
| توقعات البنك الدولي لنمو الاقتصاد الليبي لعام 2026 | 13.3% مقارنة بالعام السابق |
| متوسط إنتاج النفط اليومي في ليبيا | 1.3 مليون برميل |
| الطاقة الإنتاجية المستهدفة للنفط | 1.6 مليون برميل يوميًا |
| حجم عرض النقود الحالي في ليبيا | تجاوز 180 مليار دينار |
| الإنفاق على الاعتمادات المستندية والنفقات الخارجية | تجاوز 30 مليار دولار |
| العجز المالي المقدر | يقارب 7 مليارات دولار |
| الحصة السنوية المقترحة للمواطن من العملة الصعبة | 500 دولار |
