
تعكس تحركات ليفربول الأخيرة في سوق الانتقالات تحولًا هادئًا لكنه عميق في فلسفة بناء الخط الخلفي، حيث لم يعد النادي يتعامل مع الدفاع بوصفه ملفًا موسميًا تُعالج مشكلاته عند ظهورها، بل باعتباره مشروعًا طويل الأمد يتطلب تأمينًا مبكرًا، واستثمارًا استباقيًا. خلال الأشهر الستة الماضية فقط، أتمّ النادي خمس صفقات لمدافعين لا تتجاوز أعمارهم العشرين عامًا، في خطوة تكشف إدراك الإدارة الرياضية أن مركز قلب الدفاع يقترب من نقطة تحوّل حتمية تتطلب إعادة هيكلة شاملة.
استراتيجية ليفربول: من رد الفعل إلى الاستباق في بناء الدفاع
كان العامل الزمني المحرك الأساسي لهذه الاستراتيجية الجديدة، ففيرجيل فان دايك، الذي مثل لسنوات نقطة التوازن الدفاعي لفريق ليفربول، قد بلغ الرابعة والثلاثين، بينما لا تزال وضعية عقود عناصر أساسية مثل إبراهيما كوناتي غير مستقرة تمامًا. أما موقف جو جوميز، فلا يُبشر بالخير، فبين الإصابات المتكررة وعدم تطور مستواه منذ سنوات طويلة، أودت بأي أمل في إمكانية الاعتماد عليه كلاعب أساسي، هذا بالإضافة إلى الفشل السابق في حسم صفقات محلية هامة مثل مارك جيهي الصيف الماضي.
خلف هذا الثلاثي، لا يملك الفريق وفرة من الأسماء الشابة الجاهزة لتسلم القيادة الدفاعية خلال سنوات قليلة، هذه ليست فجوة فنية طارئة، بل فراغ هيكلي كان مؤجلًا، وكان لا بد من التعامل معه قبل أن يتحول إلى أزمة حقيقية تجبر النادي على دخول سوق انتقالات ملتهب بحثًا عن حلول جاهزة بأسعار مضاعفة، مما يؤكد تبني ليفربول لفلسفة “الاستباق” بدلًا من “رد الفعل”.
جيوفاني ليوني: رهان ليفربول على الذكاء التكتيكي للمستقبل
بداية هذا المشروع الدفاعي الطويل الأمد ظهرت في الصيف بضم الإيطالي جيوفاني ليوني من بارما مقابل 26 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ كبير نسبيًا للاعب في التاسعة عشرة من عمره ويعاني من إصابة في الرباط الصليبي، لكن ليفربول ينظر إليه كاستثمار للمواسم القادمة وما بعدها، وليس كتعزيز فوري. يمثل ليوني نموذج المدافع الذي يمكن تشكيله تكتيكيًا منذ سن مبكرة، بقدرات واضحة في قراءة اللعب وكسر خطوط الضغط بالتمرير، وهي صفات يوليها نادي ليفربول أهمية متزايدة في بناء اللعب من الخلف، بما يتماشى مع أسلوبه الهجومي.
صيد المواهب العالمية: نظرة ليفربول لما وراء الدوريات الأوروبية الكبرى
لم يتوقف طموح ليفربول عند الدوريات الأوروبية الكبرى في سعيه لتعزيز خط دفاعه، بل امتدت أعين الكشافين إلى مونديال الناشئين بقطر لاقتناص مواهب خام واعدة، مثل النمساوي إيفاني ندكوي (17 عامًا) الذي أبهر الجميع بوصول بلاده للمباراة النهائية. سينضم ندكوي رسميًا من أوستريا فيينا في الصيف المقبل بصفقة قد تصل إلى 2.5 مليون جنيه إسترليني. كما نجح نادي ليفربول في ضم المدافع السنغالي مور تالا ندياي (18 عامًا) مقابل مليون جنيه إسترليني فقط من نادي “أميتي” السنغالي، وهو مدافع يتسم بالقوة البدنية الهائلة والسرعة في الارتداد، مما يجعله مشروعًا لمدافع صلب يتناسب مع إيقاع البريميرليج البدني العنيف.
جيريمي جاكيه: درة التاج واستثمار ليفربول الضخم للمستقبل
أما الصفقة التي جسدت الفلسفة الجديدة بأوضح صورة فكانت التعاقد مع الفرنسي جيريمي جاكيه من رين، في صفقة قد تصل إلى 60 مليون جنيه إسترليني. هذا الرقم الضخم للاعب في العشرين من عمره لم يكن اندفاعًا عاطفيًا، بل قرارًا مبنيًا على تحليل بيانات طويل المدى، أظهر تفوقه في الصراعات الهوائية بنسبة قاربت 76%، إضافة إلى مزيج من السرعة والقوة البدنية والهدوء الذهني تحت الضغط. ورغم أن جاكيه لا يزال يحتاج إلى صقل جوانب فنية، خصوصًا في البناء بالكرة واتخاذ القرار تحت ضغط عالٍ، فإن ليفربول يراه مشروع مدافع قائد يمكن أن تتشكل شخصيته داخل المنظومة لسنوات طويلة.
قبول ليفربول بترك جاكيه في رين حتى نهاية الموسم، رغم استقبال الفريق عددًا كبيرًا من الأهداف محليًا، وعدم وجود أي بديل لثنائي قلب الدفاع، يكشف أن النادي يفضل استمرارية تطوره على حل فوري قد يضعه تحت ضغط مبكر في بيئة مختلفة تمامًا. المسألة هنا ليست إنقاذ موسم، بل ضمان أن يصل اللاعب إلى أنفيلد في لحظة جاهزية أعلى، ليكون جزءًا من طبقة دفاعية جديدة تتسلم المسؤولية تدريجيًا من الجيل الحالي.
جدول الصفقات الدفاعية الجديدة لليفربول
| اللاعب | العمر (عامًا) | النادي السابق | قيمة الصفقة التقريبية | ملاحظات رئيسية |
|---|---|---|---|---|
| جيوفاني ليوني | 19 | بارما | 26 مليون جنيه إسترليني | استثمار للمستقبل، قدرة على قراءة اللعب والتمرير، يعاني من إصابة سابقة في الرباط الصليبي. |
| إيفاني ندكوي | 17 | أوستريا فيينا | 2.5 مليون جنيه إسترليني | موهبة واعدة من مونديال الناشئين. |
| مور تالا ندياي | 18 | أميتي السنغالي | 1 مليون جنيه إسترليني | قوة بدنية هائلة وسرعة، مشروع مدافع للبريميرليج. |
| جيريمي جاكيه | 20 | رين | 60 مليون جنيه إسترليني | تفوق في الصراعات الهوائية (76%)، سرعة، قوة، هدوء. سيبقى في رين حتى نهاية الموسم. |
في المحصلة، لا يكدّس ليفربول المدافعين المراهقين بدافع القلق من الحاضر، بل بدافع السيطرة على المستقبل وضمان استقراره، النادي لا يشتري أسماء جاهزة فحسب، بل يشتري الزمن، ويستثمر في منحنيات تطور يمكن إدارتها داخليًا بدل الخضوع لاحقًا لقوانين سوق انتقالات متضخم. إنها سياسة تأمين دفاعي بعيدة المدى، هدفها ألا يجد الفريق نفسه فجأة بلا قلوب دفاع في سن الذروة، وأن ينتقل بسلاسة من جيل دفاعي إلى آخر، دون صدمات مفاجئة أو تكاليف باهظة، وهذا ما يؤكده موقع أقرأ نيوز 24.
