
الشريك في المشكلة، شريك في الحل. حل مشكلة الضمان الاجتماعي ممكن وسهل بإرادتكم يا صاحب الولاية.
يتحقق ذلك عبر الشفافية، والحوكمة الرشيدة، والعدالة في السياسات الحكومية، وسياسات مؤسسة الضمان الاجتماعي على حد سواء.
دولة الدكتور جعفر حسان المحترم، نثمن حرصكم واستجابتكم الواعية لواقع مشكلة استدامة أموال الضمان الاجتماعي، وهي قضية تمس جوهر الحماية الاجتماعية في الأردن، وتؤثر بشكل مباشر على ملايين الأسر ومستقبل الأجيال القادمة في المملكة، فالأردن وطن نشترك جميعاً في التفكير بمصالحه، وحمايته، وأمنه، وبنائه، وازدهاره، والتعاون في حل مشكلاته. من هذا المنطلق الوطني، ومن منطلق الحق في الرأي والتعبير، نضع أمام دولتكم أولاً مجموعة من الأسئلة التي تتردد في الفضاء العام، والتي تتطلب إيضاحاً من حكومتكم، خاصة وأنها ملتزمة بمنظومات التحديث الثلاثة، وذلك ترسيخاً لمبدأ الشفافية وجدية المشروع الذي آمنا به جميعاً. وثانياً، نقدم مجموعة من الحلول والمقترحات التي قد تساهم في حل المشكلة دون اللجوء إلى مشروع تعديلات قانون الضمان الحالي، مما يساعد على نزع فتيل الاحتقان والغضب الشعبي، ويضمن شعور الناس بأن المعادلة عادلة ومتوازنة، ولا تقع أعباؤها على طرف واحد لم يكن المتسبب فيها. نأمل أن يتسع صدر الحكومة لسماع وجهة النظر البديلة هذه.
المحور الأول: الشفافية دعامة أساسية للحكم الرشيد
لاستعراض الحقائق، وبالرجوع إلى أرقام عام 2022، صرحت مؤسسة الضمان الاجتماعي بأن النتائج الاكتوارية الأخيرة (الدراسة العاشرة) أظهرت تحسناً ملحوظاً في توقيت نقاط التعادل المالية، مقارنة بالدراسة السابقة (التاسعة). هذا يعني أن العام الذي تتساوى فيه الإيرادات التأمينية مع النفقات التأمينية قد تم تأجيله، كما تحسن توقيت نقطتي التعادل الثانية والثالثة. وفيما يلي تفاصيل هذه التحسينات:
| نقطة التعادل | الدراسة السابقة (التاسعة) | الدراسة الأخيرة (العاشرة) | التحسن |
|---|---|---|---|
| التعادل الأول (الإيرادات التأمينية والنفقات التأمينية) | 2034 | 2038 | تأجيل 4 سنوات |
| التعادل الثاني (الإيرادات والعوائد الاستثمارية) | 2041 | 2050 | تأجيل 9 سنوات |
| وقت نفاد الموجودات | 2051 | 2061 | تأجيل 10 سنوات |
في ظل هذا التغير الصادم والجذري بين الأرقام الحالية والأرقام المذكورة أعلاه، التي صدرت قبل ثلاث سنوات فقط، والتي تتعلق بنقطة التعادل الأولى ونقاطها المماثلة وفقاً للدراسة الاكتوارية الحادية عشرة الأخيرة، أجاب الوزير المعني موضحاً السبب بقوله:
“أن هناك فرضيات بُنيت عليها الدراسات السابقة وأوصت بتعديلات، وأن هناك شقين أثّرا سلباً على استدامة الوضع المالي لمؤسسة الضمان. الأول أنه ستكون هناك نِسب شمول ‘مبالغ فيها’ ولم تحصل، والثاني أنه عندما قُدمت التوصيات، للأسف، اتُخذت إجراءات تجميلية ترقيعية مؤقتة، وهي اليوم وضعتنا أمام هذا التحدي الكبير. لو اتخذنا هذه الإجراءات قبل عشرة إلى خمسة عشرة سنة، لكنا اليوم بالتأكيد لسنا بحاجة للدخول بهذا الكم من التعديلات الذي نحن بحاجته.”
انطلاقاً من هذا التصريح الحكومي، وقبل المضي قدماً في مشروع التعديل، من الضروري والحكمة بمكان تحسين التشخيص لضمان فاعلية الحلول، وتفكيك المسألة بشكل منهجي لبناء حلول مستدامة، وإلا ستكون التعديلات مجرد معالجة للأعراض دون الجذور. بناءً على ذلك، تثار أسئلة واستنتاجات مشروعة لدى الناس، لم تعد مجرد انطباعات عابرة، بل تحولت إلى قناعات راسخة يتداولونها في كل مكان. هذه الأسئلة تتعلق مباشرة بمسؤوليات مؤسسة الضمان المتعاقبة، والحكومات المتعاقبة، ووزارات العمل، فيما يخص الإجراءات، والقرارات، والسياسات المتبعة، وهي أمور لا يتحمل المواطن مسؤوليتها أو نتائجها. تثير هذه الأسئلة بشكل خاص تصريحات الحكومة الجازمة بأن أحد الأسباب الجوهرية للوضع الراهن هو أن “نسب الشمول مبالغ فيها ولم تحصل”، وعليه نطرح الأسئلة التالية:
* هل أخفقت مؤسسة الضمان الاجتماعي، بالتعاون مع الأطراف الحكومية المعنية، في بذل الجهد الكافي للوفاء بالتزاماتها في توسيع قاعدة الشمول؟.
* ما هي نسبة إنجازات مؤسسة الضمان، بالتعاون مع الأطراف الحكومية المعنية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في شمول أو حل مشكلة القطاعات غير المنظمة التي تشكل 54% من العمالة في الأردن وغير المشتركة بالضمان (وفقاً لدائرة الإحصاءات العامة)؟.
* كم بلغت نسبة الإحلال المحققة في القطاعات غير المنظمة المذكورة أعلاه خلال السنوات الثلاث الأخيرة؟.
* ما هي نسبة الإنجاز في توسيع الشمول من خلال ضبط المخالفات المتعلقة بـ 22.8% من العاملين المتهربين وغير الملتزمين بالقانون والخارجين عن مظلة الضمان خلال السنوات الثلاث الأخيرة (وفقاً للمجلس الاقتصادي والاجتماعي)؟.
* من يزود الخبراء الاكتواريين بالأرقام التي تُبنى عليها الدراسات الاكتوارية، علماً بأن الجهة التي تعد الدراسة معترف بها دولياً؟.
* هل يكمن الخلل في المدخلات والأرقام المقدمة لمنظمة العمل الدولية؟.
* من يراقب أداء المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي؟.
* ما المقصود بالإجراءات التجميلية الترقيعية، ومن المسؤول عنها؟.
* كم تحسنت مؤشرات الأداء في مؤسسة الضمان ووزارة العمل في ظل منظومة التحديث الإداري؟.
وسؤال المليون: ما علاقة تعديلات مشروع القانون برصد الخلل، أو سد الفجوات، أو تحسين الأداء وتجويده، بخصوص هذه الاستيضاحات؟.
هذه الاستفسارات ليست آراء شخصية أو اجتهادات فردية، بل هي ملخص لما يدور في الفضاء العام من ندوات، وحوارات، ولقاءات إعلامية، وبالتالي، أصبحت الاستنتاجات واضحة: المخرج السليم لا يكمن في التعديلات المقترحة، بل في تقديم إجابات شفافة، وتعزيز الرقابة، والمساءلة، والحوكمة، والمصارحة، وتوفير أرقام متاحة للناس والإعلام والباحثين، خاصة في ظل منظومات التحديث الثلاث، وتحديداً التحديث الإداري والاقتصادي.
المحور الثاني: تعديلات تشريعية ضرورية قبل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي ومواجهة نزيف التقاعد المبكر
وفقاً لمشروع التعديل والأسباب الموجبة التي وافقت عليها الحكومة، لا توجد ضمانات قانونية كافية تدعم هذه الأسباب الموجبة. فقبل إقرار الأسباب الموجبة لمشروع تعديلات قانون الضمان، لا بد من اتخاذ خطوة تشريعية جوهرية وأساسية لتتوافق مع تعديلات الضمان المنشودة، تماماً كعملية البناء التي تتطلب تأسيسات قوية قبل البدء بالبناء، بحيث تدعم القوانين بعضها البعض ولا تعطلها أو تتناقض معها:
أ) ما هي الضمانات الكافية لأي عامل مؤمن عليه لضمان استمراره في العمل، سواء في القطاع العام أو الخاص؟.
ب) أين هي التعديلات الخاصة بالقوانين والأنظمة المتعلقة بإنهاء الخدمات، في ظل لجوء الإدارات في القطاعين العام والخاص بشكل منفرد إليها، وهو ما يشكل سبباً رئيسياً للخلل، وهل لا تزال إرادتها مطلقة دون قيود؟.
تتطلب هذه القضية حزمة من التعديلات والمراجعات الشاملة للقوانين والأنظمة ذات الصلة، منها تعديل نظام الخدمة المدنية، وقانون العمل، لا سيما فيما يتعلق بقرارات الفصل التعسفي، وكذلك قانون تنظيم العمل المهني وغيره من التشريعات التي تؤثر على استمرارية العمل وديمومته. هذه التعديلات تعتبر أحد مخرجات الحوار الوطني الذي عُقد مؤخراً في المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وفقاً للإعلام الرسمي الأردني، يشكل المتقاعدون مبكراً 64% من إجمالي المتقاعدين، حيث يمثل ثلثاهم تقريباً من القطاع العام وثلثهم من القطاع الخاص. هذه الفئة تستنزف 61% من إجمالي فاتورة الرواتب التقاعدية، مما يعكس تحدياً مالياً كبيراً.
من المعلوم أن القطاع العام يستحوذ على النسبة الأكبر من حالات التقاعد المبكر. في دراسة حديثة، كشف خبير التأمينات والحماية الاجتماعية، الأستاذ موسى الصبيحي، عن إحصائيات مفصلة للمتقاعدين مبكراً لعام 2023، موضحاً أن هذا النهج مستمر منذ فترة طويلة، وعليه نورد التفاصيل:
| الفئة | العدد | النسبة من إجمالي المتقاعدين مبكراً |
|---|---|---|
| إجمالي المتقاعدين مبكراً لعام 2023 | 17,200 | 100% |
| المتقاعدون مبكراً من القطاع العام | 10,550 | حوالي 61.2% |
أخيراً، يجب على الجميع تحمل مسؤولياتهم. فهل من المعقول أن تقوم مؤسسة حكومية واحدة بإحالة 4000 موظف إلى التقاعد المبكر، ثم يُطلب من المواطن أن يدفع الثمن من ماله وسنوات عمره لتصويب خطأ جسيم لا علاقة له به؟ هذه معادلة غير منصفة، فـ “الشريك في المشكلة هو الشريك في الحل”.
المحور الثالث: حلول مقترحة “الشريك في المشكلة، شريك في الحل”
نقترح على دولة الرئيس والحكومة، بالتعاون مع مؤسسة الضمان الاجتماعي، بصفتهما الطرفين الأساسيين، أن يتحملا مسؤولياتهما من خلال إنشاء “صندوق حكومي لدعم أموال الضمان”، على أن يتم سحب مشروع تعديلات القانون الحالي فوراً.
مصادر تمويل صندوق دعم أموال الضمان المقترحة سنوياً:
أولاً: في إطار مسؤوليات مؤسسة الضمان لحل المعضلة، يجب إعادة النظر في مسألة حساسة وذات أهمية قصوى تتطلب قراراً جريئاً، وذلك عبر صياغة تشريع مناسب أو آلية قانونية في هذه الظروف الاستثنائية. فبحسب مصادر وتصريحات مؤسسة الضمان، يتقاضى 5% فقط من المتقاعدين 25% من إجمالي فاتورة التقاعد (وهو رقم ضخم جداً). لذا، يُقترح الاقتطاع من رواتب هذه الفئة بنسبة تصاعدية، علماً بأن معظم هؤلاء الأشخاص قد استعادوا بالفعل كل ما دفعوه للضمان من اشتراكات.
ثانياً: ضمن مسؤوليات مؤسسة الضمان أيضاً، مراجعة تشريعاتها المتعلقة ببند المناقلة بين الصناديق، فمن المعلوم وجود فائض في صندوق التعطل. يمكن، بعد تعديل التشريعات اللازمة، ضخ نسبة من هذا الفائض إلى صندوق دعم أموال الضمان.
ثالثاً: وفقاً لقانون الموازنة الأردنية لعام 2026، توجد مخصصات ضمن برامج الدعم الاجتماعي والصحي، أو بنود عامة (مثل المعونة الطارئة)، مخصصة لتغطية الاحتياجات غير المتوقعة أو حالات الضرورة خلال السنة المالية، وتبلغ حوالي 60 مليون دينار. من الممكن ضخ هذه المساهمة في الصندوق المقترح.
رابعاً: ما يسري على المواطن، من باب أولى أن يسري أولاً على الحكومة. بما أن الحكومة وافقت على الأسباب الموجبة لمشروع القانون، ومنها تعديل معادلة الاحتساب (بحسب تصريحات رسمية) بحيث يتم خصم 4% من راتب المؤمن عليه عن كل سنة تفصل بينه وبين سن الشيخوخة، وهذا قرار منفرد من جهة واحدة، وعليه قد يصل الخصم إلى 60% لمن يرغب في التقاعد اليوم على سن 50 عاماً إذا تم إقرار القانون، فإن المطلوب من الحكومة إيجاد صيغة قانونية لدعم هذا الصندوق أيضاً. وكمثال على ذلك، يُطرح التساؤل التالي: هل يمكن خصم نسبة من رواتب العاملين في القطاع العام، بوزاراته وهيئاته ووحداته المستقلة، بشكل تدريجي وفق النحو المقترح؟
| فئة الراتب الشهري (دينار أردني) | نسبة الاقتطاع المقترحة |
|---|---|
| أكثر من 1000 | 1% |
| أكثر من 2000 | 2% |
| أكثر من 3000 | 3% |
| أكثر من 4000 | 4% |
| … | … |
| حتى 25000 فما فوق | 25% |
بالنظر إلى أن الرقم التقديري لرواتب العاملين في القطاع العام يبلغ حوالي 3.196 مليار دينار سنوياً (بعد استثناء رواتب التقاعد المدني والعسكري)، فإن متوسط الاقتطاع المقترح حوالي 12.5%. بناءً عليه، من الممكن ضخ حوالي 325 مليون دينار إلى الصندوق.
خامساً: تخصيص نسبة من المنح والمساعدات الحكومية لصالح صندوق دعم أموال الضمان.
سادساً: ترشيد النفقات الحكومية ولو بنسبة 5%، وتحويلها لصالح صندوق دعم أموال الضمان.
سابعاً: مساهمات الشركات الكبرى من القطاع الخاص ضمن إطار مسؤوليتها الاجتماعية.
ثامناً: التبرعات الفردية.
الخلاصة: من مصلحة الجميع سحب مشروع تعديلات قانون الضمان الاجتماعي الحالي، وذلك لإتاحة المجال لدراسة مستفيضة وشاملة، وللتحضير المسبق الجيد لمشروع قانون يضمن حسن التنفيذ، ويدعمه بإطار تشريعي متكامل. يجب التفكير معاً في المزيد من الحلول الابتكارية والتعديلات الأكثر عدالة، ليشعر الناس بالجدية في التعامل مع هذه القضية وعدم الاستسهال. ففي ظل حالة الغضب والقلق والحجم الكبير من الاستفزاز الذي يشعر به المواطن، فإن مسألة ضمانه، وأمواله، وشقاه، وعمر أبنائه ومصيرهم، لن تُقبل ولن تمرر بسهولة هذه المرة. لا أحد يرغب في دفع أثمان يمكن للجميع تجنبها، خاصة في هذا التوقيت السياسي العصيب.
