محمود الحضري يطرح الأبعاد العلمية لاستخدام الأطفال للهاتف المحمول بين الإتاحة والمنع

محمود الحضري يطرح الأبعاد العلمية لاستخدام الأطفال للهاتف المحمول بين الإتاحة والمنع

بقلم: محمود الحضري

تحت وطأة ضغط حكومي مكثف، قامت منصة التواصل الاجتماعي العملاقة “ميتا” بتعليق ما يقرب من 544,052 حسابًا عبر منصاتها المختلفة، فيسبوك، إنستجرام، وثريدز، وذلك خلال الفترة من 4 إلى 11 ديسمبر 2025. جاء هذا الإجراء امتثالًا للقانون الأسترالي الجديد، الذي يفرض حدًا أدنى إلزاميًا للعمر يبلغ 16 عامًا لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من الامتثال، بدأت “ميتا” حوارًا مع الحكومة الأسترالية، ساعية للتعاون مع القطاع في البحث عن حلول بديلة، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من أن يكون الحظر الشامل هو الحل الوحيد. وفي المقابل، ترى أستراليا أن قانونها الجديد لتحديد سن استخدام “السوشيال ميديا” يعكس قلقًا متناميًا بشأن المخاطر التي يتعرض لها المستخدمون القُصر على الإنترنت، إلا أن تساؤلات جوهرية تظل قائمة حول مدى قدرة الحظر وحده على التصدي بفعالية للأضرار الرقمية.

دعوة مصرية لحماية الأجيال الرقمية

هذا الطرح السابق يكتسب أهمية خاصة في ضوء دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي الملحة لضرورة سن تشريع يحدد أعمارًا دنيا لاستخدام الهواتف المحمولة في مصر. ومن الأهمية بمكان أن يسبق هذا التشريع حوار عملي ومجتمعي شامل، يضم نخبة من علماء الاجتماع، خبراء التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والإعلاميين المتخصصين، بهدف بناء قواعد علمية واجتماعية راسخة لهذا القانون. وقبل أيام قليلة من إطلاق الرئيس السيسي لدعوته، كان مركز “حلول للسياسات البديلة” التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة قد أعد دراسة متعمقة حول مخاطر استخدام الإنترنت على الأطفال والمراهقين، كاشفًا عن حقائق مقلقة.

المخاطر الصحية والنفسية لاستخدام الشاشات

أبرزت دراسة “حلول للسياسات البديلة” أن اضطرابات النوم تعد من أهم الأعراض الجانبية السلبية لاستخدام “السوشيال ميديا”، مشيرة إلى أن واحدًا من كل ثلاثة مراهقين يستخدم الشاشات حتى منتصف الليل أو بعده خلال أيام الأسبوع. ويرتبط هذا الاضطراب في النوم بحدوث تغيرات في التطور العصبي، بالإضافة إلى زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب وإثارة الأفكار الانتحارية. وفي سياق متصل، تُحفز وسائل التواصل الاجتماعي سلوكًا قهريًا لدى الأدمغة الهشة التي لا تزال في طور النمو، حيث يتشابه النمط غير المتوقع للمكافآت، مثل الإشعارات وعلامات الإعجاب والتعليقات، مع مسارات الإدمان على المقامرة، مما يؤدي إلى زيادة إفراز هرمون الدوبامين الذي يعزز بدوره سلوكيات التفقد القهري والمتكرر للمنصات.

رؤية رئاسية لحماية الوعي والتكوين

خلال احتفالية عيد الشرطة الـ74 مؤخرًا، جدد الرئيس السيسي مطالبته بضرورة إصدار تشريعات تحد من استخدام الهواتف المحمولة حتى عمر معين، مستشهدًا بتجارب أستراليا وبريطانيا في سن تشريعات مماثلة للحد من استخدام الهواتف أو منعه لسنوات محددة. وأوضح الرئيس أن الهدف الأسمى من هذه التشريعات ليس حماية نظام أو سلطة، بل هو حماية الأبناء من مخاطر قد تهدد وعيهم وتكوينهم في المستقبل. وأرى أن الرئيس لا يقصد الهواتف المحمولة بحد ذاتها، وإنما الاستخدامات المفرطة لها، والتي تسببت في العديد من المخاطر الجسيمة على الأطفال والمراهقين، وهي ذات المخاطر التي دفعت أستراليا وبريطانيا لإصدار قوانينها.

خطوات برلمانية نحو تشريع شامل

في خطوة إيجابية، أعلنت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، عبر رئيسها أحمد بدوي، عن تواصلها مع الحكومة والقطاع التشريعي والقطاع التكنولوجي لبدء جلسات نقاشية موسعة. تهدف هذه الجلسات إلى جمع المتخصصين والجهات المعنية للعمل على وضع صيغة متكاملة تمهّد لإصدار قانون يحقق الصالح العام ويحمي الأجيال القادمة. والأهم من ذلك، ضرورة أن يكون هذا الحوار جادًا وعلميًا، ليس مجرد حوار شكلي أو “سلق قانون” قد يضر أكثر مما ينفع، بل يجب أن تستند مثل هذه القضية إلى رؤية شاملة للاستخدام الرشيد للهواتف المتحركة وتطبيقاتها التكنولوجية، لتجنب فرض موانع وحظر ومطاردات قد تفتح الباب أمام الكثير من الخروقات، والاحتيال في الاستخدام من قبل المراهقين، وتهدد الأهداف المرجوة من التشريع المرتقب.

الدور الأسري والشراكات المجتمعية

أتصور أن التوعية الأسرية يجب أن تكون جزءًا أصيلًا في مثل هذا التشريع، مع تحفيز الدور الأسري والعائلي في آليات الاستخدام الرشيد للهاتف المحمول. بالإضافة إلى ذلك، يجب فتح حوار بناء مع شركات منصات التواصل الاجتماعي لبناء شراكات استراتيجية فيما يتعلق بوصول التطبيقات لمختلف الفئات العمرية، وفي توقيتات محددة، وهو النهج الذي تطبقه الصين حاليًا، وتسعى كل من أستراليا وبريطانيا لتطبيقه بشكل أكثر شمولًا. إن مثل هذا التشريع المرتقب في مصر لا يأتي من فراغ، بل من المهم بناؤه على ما توصل إليه الآخرون من تجارب وخبرات، فلسنا نعيش في معزل عن العالم، بل ضمن مجتمع عالمي يعاني مما نعاني منه، ويتأثر بما يتضرر منه الآخرون.

شهادات عالمية على أضرار الإنترنت

قدم تقرير “حلول للسياسات البديلة” معلومات في غاية الأهمية والخطورة، حيث كشف استطلاع رأي شمل 10 آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا في إنجلترا وويلز أن 70% من المراهقين قد شاهدوا عنفًا حقيقيًا عبر الإنترنت. يؤدي التعرض لمثل هذه المشاهد إلى تطبيع السلوكيات الخطرة، مما يزيد من احتمالية تبني الشباب لها في الواقع. وتوصلت مراجعة شملت 20 دراسة إلى وجود ارتباط مباشر بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمخاوف المتعلقة بصورة الجسد واضطرابات الأكل، فيما أشارت دراسة أجريت في جنوب أفريقيا على 79 طالبًا إلى أن التنمر الإلكتروني بات أكثر شيوعًا وأشد ضررًا من الناحية النفسية مقارنة بالتنمر التقليدي، نظرًا لطبيعته المجهولة والمستمرة. وأعتقد أننا لسنا بعيدين عن هذه الأرقام المرعبة والمخفية، فالاستخدام للهواتف المحمولة وتطبيقاتها قد يكون أكثر بشاعة في مجتمعنا من دول أخرى، والمخاطر حتمًا أكبر، وهو ما يستدعي معالجة علمية واجتماعية وتشريعية متدرجة، للوصول إلى درجة الأمان المرجوة.