
لم يكن ضيق التنفس الذي أصابنا في صيف عام 2004 ناتجًا عن حرارة الجو، أو من شمس القاهرة القاسية، فالمصريون اعتادوا مواجهة الشمس مهما كانت قاسية، لكن “الخناق” الحقيقي جاء من أعماق النفس؛ من برودة مفاجئة عكرت صفو الروح، وتعطلت بسببها نبضات الطموح، وكادت أن تجمد الدماء في العروق.
فجأة، وجدت نفسي أمام حقيقة مؤلمة: أنا “بلا عمل”، تجربة قاسية وصعبة، هل جرب أحدكم الاستيقاظ في الصباح ليكتشف أنه “صفر” في حسابات الحياة، بعد أن اعتقد أنه كان مقيماً في قمة الوجود؟ أزمة الكاتب الحقيقية ليست في “نضوب الأفكار” أو “جفاف الحبر”، فتلك أمور يتغلب عليها الوقت، الأزمة الكبيرة هي “العزلة القسرية”.
أن تشعر بأن القلم، الذي كان يومًا سلاحًا يحارب من أجلك، ومفتاحًا يفتح لك أبواب الحقيقة، قد تحول فجأة إلى مجرد “قطعة خشب”، قطعة لا تكتب حرفًا، ولا تُثير فكرة، بل لم تعد تصلح حتى لأن تكون عود ثقاب يضيء شمعة في ليالي اليأس الطويلة.
قيمة الإنسان ليست فيما يمتلك، بل فيما “يفعل”، فإذا فقد “الفعل”، فقد وجوده، وأصبح يبحث عن نفسه وسط زحام الحياة، ليجد ظلًا باهتًا لرجل كان يومًا يملأ الدنيا؛ في تلك الأيام، كنتُ أستعرض في المرآة ولا أستطيع التعرف على الوجه الذي يُقابلني، كنت أشعر، ككثير من البشر، أن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجهي.
لكن أصعب ما في تلك اللحظات كان “نظرة” الصغار في عيوني، كيف أشرح لأطفالي أن “صاحبة الجلالة”، التي أفنيت حياتي وجهدي من أجلها، قد تخلى عني في زحام الحياة؟ كيف أُقنعهم بأن الكلمات والمانشيتات، التي كانت تثير الفخر في صدورهم، أصبحت عاجزة عن شراء رغيف واحد من الخبز؟
في تلك اللحظات، كنت أرى في عيون زوجتي الوفية صبرًا يمزقني، وفي عيون ابني وابنتي، تساؤلات صامتة، كانوا ينظرون لي وكأنني “أطلس” الأسطوري، الذي يحمل السماء على كتفيه، ولم يدروا أن تلك السماء كانت تهدد بالسقوط فوق رأسي لتسحقني.
التعطل عن العمل في حياة الصحفي المصري ليس مجرد “سقطة مهنية” أو عثرة عابرة، بل هو ضريبة الانتماء لمهنة تشبه “المقامرة”؛ أسبوع يرفعك إلى أعالي السماء، وعشرة أيام تتركك في مواجهة الرياح.
لكن مصيبتنا الكبرى كأناس هي أننا في لحظات العتمة ننسى قانون الحياة الدائم: أن من أغلق بابًا خشبيًا، بيده وحده أن يفتح لك ألف باب من ذهب، وأن الضغط، مهما اشتد، ليس إلا مقدمة ضرورية لفرج لم نكن نتوقعه.
نبل البسطاء.. وعظمة المهنة في أعين الآخرين
في رحلتي المضنية بحثًا عن “الستر”، طرقت أبوابًا لم يكن يخطر ببالي يومًا أن أقف أمامها إلا كزائر، ذهبت إلى مطبعة، ولم تكن الرائحة هذه المرة رائحة الحبر المحببة إلي، بل كانت رائحة العرق والكدح، لم أذهب لأشرف على طباعة مقال، بل لأعرض “عضلاتي” للعمل كعامل يحمل الأثقال.
وهناك، التقيت برجل من سلالة بدأت تنقرض؛ سلالة “الزمن الجميل”، قرأ شهادتي الجامعية ثم تفرس في وجهي، فرأى كبرياء في عيني يشوبه الذبول، فقال لي جملة أعتقد أنها أبلغ من قصائد المتنبي: “يا بني، حرام على هذه اليد التي صاغت الجمل أن ترفع الأحمال.. اذهب، فرزقك في مكان آخر”.
لم تكن تلك مجرد نصيحة، بل كانت صرخة لإحياء كرامة “الصحفي” التي كاد اليأس أن يطمسها.
توجهت بعد ذلك إلى “نجم صاعد” في عالم التجارة، من أولئك الذين أفرزتهم الأيام، كان صاحب محل ملابس، استقبلني بابتسامة لكن رفضني بأدب لم أتوقعه، قائلاً إن قيمتي العلمية أكبر من أن تهدر بين طيات الفساتين.
يا للعجب! في تلك اللحظات، كنت أشعر بضيقي، وبدأت أصدق أنني “عاطل” بلا قيمة، لكن هؤلاء البسطاء، بفطرتهم النقية، كانوا يرفضون أن يهينوا “المهنة” التي أنتمي لها، فقد رأوا فيّ “الصحفي” بينما كنت أعمى عن رؤيته، وأعادوا لي إيماني بأن الكلمة – بالرغم من كل شيء – تبقى لها هيبتها في نفوس الناس، حتى وإن عز رغيف الخبز.
في تلك الأوقات، لم تكن حياتنا قد فسدت بعد بصخب الهواتف المحمولة، كان “الهاتف الثابت” هو صلتنا الوحيدة بالعالم، وبات الحبل السري الذي يربطنا بالخارج، ننتظر رنينه أو نخشاه كبشير نذير.
وفي لحظة، وقد بلغت القلوب الحناجر، وتحت وطأة يأس كاد أن يطبق على روحي، قررت أن أرفع السماعة لأتصل ببيت والدي – رحمه الله – لاطمئن على الأهل، أو ربما لأستمد من عبق الماضي قوة أواجه بها حاضرًا ينهار.
لكن، لعلها “يد القدر” التي تتدخل دائمًا، في اللحظة التي نعتقد أن جميع الخيوط قد انقطعت، جاءني صوت أختي ليبشرني بخبر بدا كأنه طيف من خيال، أو معجزة هبطت من السماء: “مكتب جريدة (اليوم) السعودية اتصل بك.. يريدونك لاختبار شخصي”.
في تلك اللحظة، أدركت أن “صاحبة الجلالة” التي اعتقدت أنها تخلت عني، كانت تخبئ لي مخرجًا في أرض أخرى، وأن الكلمات التي ظننت أنها “لا تشتري الخبز”، كانت المفتاح لفتح أبواب جديدة.
كانت تلك المكالمة أكثر من مجرد عرض عمل؛ كانت استردادًا لكرامة القلم، وبرهانًا على أن الصدق في الكلمة لا يذهب سُدى، وأن الضغط، مهما بلغ، سينتهي برنة هاتف.. أو بارقة أمل تأتي دائمًا من حيث لا نتوقع.
لحظة اليأس والتحول
هناك لحظة في حياة الإنسان تعتبر من أخطر اللحظات التي قد يواجهها؛ هي تلك اللحظة التي يطول فيها أمد المعاناة حتى يألفها، ويتحول فيها اليأس من “حالة عابرة” إلى “سكن ومقام”.
عندما جاءني خبر الثغرة في جدار الصمت، وفرصة جديدة للحياة عبر تلك المكالمة، لم أصرخ أو أهتف فرحًا، بل كنت في مرارة، وهدوء أدهشني شخصيًا: “لن أذهب”.
لقد وصلت إلى تلك المنطقة الرمادية التي تُعرف باسم “صداقة اليأس”، الإحباط الذي يطول يدخل في المسام ويستقر في العروق، يصبح كالمخدر الذي يُسلب الإرادة، كنت أقتنع أن الفشل لم يعد مجرد عثرة بل أصبح “اسمي الحركي”، أما النجاح فلم يعد إلا “إشاعة” يرددها المحظوظون.
في تلك اللحظة كنت كالغريق الذي قضى وقتًا طويلًا في الأعماق، تعود على الظلام، صار يخشى ضوء الشمس، بدأت أخشى “الأمل” أكثر من خوفي من “الألم”؛ لأن الألم أصبح واقعًا أعرفه وأجيد التعايش معه، بينما الأمل أصبح غريبًا يفزعني من الخديعة مرة أخرى.
إنها “سيكولوجية الانكسار” التي تجعل الإنسان يرفض اليد التي تمتد لتنقذه، ليس كبرياء، ولكن خوفًا من أن تكون مجرد سراب آخر، ولكن، هل كان القدر سيسمح لي ككاتب بدفن قلمي بيدي؟ وهل كانت تلك “المرارة” هي النهاية، أم مجرد مخاض لولادة جديدة؟
لكن القدر كان أذكى مني! إنه لا يستأذننا عندما يقرر أن يُنقذنا، بل دفعني دفعًا كأن يداً خفية تسحبني من ياقة قميصي، لتضعني أمام ذلك العنوان.. وأمام ذلك الرجل الذي سيمسح بكلمة واحدة “أرشيف الإحباط” الذي كنت أحمله.
دخلت المكتب.. توقعت أن أجد “مديرًا” متجهمًا، ينظر إلى ساعته ثم يقلب أوراقي بملل، لكنني وجدت “أستاذًا”! وجدت وجهًا يشع منه النبل، وابتسامة تعيد بناء ما هدمته الأيام، لم أكن أمام موظف كبير، بل كنت أمام “سليمان أبا حسين” الذي قرأت أوصافه في كتب “الزمن الجميل”.
لم يسألني عن “واسطة”، ولم أُدهش بمكانته، بل فتح لي قلبه قبل مكتبه، في تلك اللحظة شعرت أنني لست أمام “امتحان”، بل أنا في “حضرة” صحفي بارع يعرف كيف يقرأ ما بين السطور في وجوه الناس.
في تلك الغرفة الصغيرة بجريدة “اليوم”، لم يمنحني سليمان أبا حسين وظيفة فحسب، بل منحني ما هو أغلى من المال، رد إلي “ثقتي في نفسي”.
نحن أحيانًا نلتقي بأشخاص هم “محطات تقوية” لقلوبنا المتعبة، كان “أبو تركي” هو تلك المحطة التي أعادت تأجيج الأمل بعد أن ظننت أن إرسالي قد انقطع.
منذ اللحظة الأولى، كسر الأستاذ سليمان أبا حسين قيود “الرسمية” المملة، لاحظ قلقًا في عيني وسألني، كذبت عليه، لم أخبره أنني مفلس وعاطل عن العمل، بل قلت له إن زوجتي مريضة.
تحول اللقاء من “اختبار” إلى “ندوة” أدبية وصحفية، قدم لي موضوعًا لأعيد تحريره، فتوقفت عند لغة الأرقام، وأخبرته بلهجة واثقة: “أستاذي، هذه الأرقام عن مشاريع الصرف الصحي في المملكة لا يمكن أن تكون صحيحة، إنها أقل بكثير من واقع بلد بحجم السعودية”.
لم يغضب، بل لمعت عينيه ببريق الذكاء، اختبارني في مواضيع أخرى، ثم دخلنا في “الديسك الصحفي” وصناعة العنوان، وأخبرته أن العنوان “الأنثى” هو الأقوى.
شعرت أنني لست أمام مجرد مسؤول سعودي، بل أمام “نسخة سعودية” من أمير الصحافة المصرية “محمد التابعي”، رأيت فيه روحًا تلمح الموهبة من بعيد، لم يمارس معي ألاعيب المدارة، بل مد يده ليصافحني قائلًا: “مبروك.. لقد اخترناك للسفر إلى المملكة لتكون جزءًا من مشروع تطوير جريدة اليوم”.
بعد شهر، رن جرس الهاتف في منزلي، كان اتصالًا دوليًا.. “ألو.. هنا الدمام”، الأستاذ سليمان (أبو تركي) يزف إليّ الخبر: راتب قدره 4000 ريال، رغم أنه يبدو عاديًا الآن، لكنه كان طوق نجاة لي حينها.
طرت إلى الدمام، وهناك اكتشفت “إمبراطورية” صحفية يديرها رجل واحد بعقلية ألف رجل، كان يدير “دولاب عمل” هائل، كان يدير المؤسسة بـ “ثقافة أرامكو” التي تحترم النظام ولكن بروح الصحافة التي تحب الحرية.
تعلمت منه أن الإدارة في الصحافة ليست مجرد “أوامر”، بل هي القدرة على تطويع الإدارة لخدمة الإبداع، كان يؤمن أن الصحافة ليست “وظيفة” نتقاضى عنها أجرًا، بل هي “رسالة مقدسة” وقضية عمر، يتعامل مع المحتوى كأنه “العِرض”، لا تAllow to be polluted by lies.
لم يكن “أبو تركي” من المديرين الذين يخافون من ظهور الجيل الجديد، بل كان “صانع رجال” ممتاز، يفتح الأبواب للشباب، كان يتقدم بهم في كل خطواتهم.;
في تلك الأثناء، أدركنا أن الدقة لديه تشبه دقة “الساعة السويسرية”، كان يعتبر الخطأ اللغوي “خيانة” عظمى بحق القارئ، كان يعامل الحرف كسابقة فنية لا تسمح بها الكذبة.
أما عظمته فكانت في قلبه قبل قلمه، أدار المؤسسة بروح الأبوة، كان قريبًا من الجميع، يشعر بالمشاكل قبل حدوثها.
استطعت أن أعيش تحت إمرته قبل أن يكلفني بمهمة جديدة في “الأحساء،” وهي قصة أخرى سأرويها في وقت لاحق.
