
لم يسبق لألمانيا أن قامت بترحيل أي مواطن سوري منذ عام 2011، ففي ذلك العام، اتخذت الحكومة الألمانية قرارًا بوقف عمليات الترحيل المباشر إلى سوريا، عقب اندلاع الحرب الأهلية والاعتداءات العنيفة على المظاهرات من قبل نظام بشار الأسد.
ومع سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، حدثت تغيرات كبيرة ليس فقط في سوريا، بل في طريقة تعامل الدول المضيفة للاجئين السوريين، حيث يوجد في ألمانيا مئات الآلاف منهم.
وتوجه المسؤولون الحكوميون الألمان إلى دمشق لمناقشة عدة ملفات، من أبرزها التعاون بخصوص ترحيل بعض السوريين المقيمين في ألمانيا، ومنذ الإطاحة بنظام الأسد، زادت الدعوات في ألمانيا لعودة اللاجئين السوريين إلى الوطن.
وفي يوم الثلاثاء، 23 كانون الأول/ ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الداخلية الألمانية عن ترحيل أول سوري إلى دمشق بشكل مباشر.
وأعربت منظمات حقوق الإنسان عن استنكارها لقرار ترحيل اللاجئين إلى كل من سوريا وأفغانستان، ومع ذلك، جعل الائتلاف الحكومي في ألمانيا من مسألة ترحيل السوريين إلى بلادهم أولوية دبلوماسية، لتلحق بألمانيا جارة النمسا، حيث كانت النمسا هي أول دولة في الاتحاد الأوروبي ترحل مواطنًا سوريًا منذ عام 2011.
ماذا نعرف عن الشخص الذي تم ترحيله؟
وُلد الرجل في سوريا عام 1988، وعاش في ألمانيا لعدة سنوات، وأمضى عقوبة سجن في ولاية شمال الراين وستفاليا بسبب السطو، في ظروف مشددة للعقوبة والإيذاء الجسدي والابتزاز.
وعلى الرغم من أن عملية الترحيل تبدو رمزية، إلا أنها قد تمثل بداية لترحيلات مستقبلية، وقد صرح وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبرينت: “يجب على المجرمين مغادرة بلادنا، نحن ندعم ضبط النفس، ولكن لن نتسامح مطلقًا مع المجرمين ومن يشكلون تهديدًا”.
وذكرت وزارة الداخلية أنه تم التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية “يسمح بترحيل المجرمين والأفراد الخطرين بشكل منتظم في المستقبل”، وهذا يعطي انطباعًا عن احتمالية وجود عمليات ترحيل مستقبلية، ولكن يبقى السؤال: ما حجمها ومن ستشمل؟
سياسة الحكومة الألمانية بخصوص الترحيل
عند تشكيل الائتلاف الحكومي الحالي، المكون من حزبي الاتحاد المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، تم الاتفاق على أن الحكومة ستقوم بعمليات ترحيل إلى سوريا وأفغانستان، وفق ما ذكره وزير الداخلية دوبرينت، مؤكدًا أن للمجتمع الألماني “مصلحة مشروعة في مغادرة المجرمين للبلاد”.
ورغم أن عمليات ترحيل المجرمين والخطرين إلى أفغانستان بدأت بالفعل مع الحكومة السابقة بقيادة أولاف شولتس، فإن الحكومة الحالية تبدو أكثر جدية في المضي قدمًا بشأن ترحيل المدانين وأيضًا أولئك الذين يُعتبرون خطرين، بما في ذلك السوريون.
أما بالنسبة لبقية السوريين الذين تم رفض طلباتهم أو سُحبت منهم صفة اللجوء أو الحماية الثانوية، على الرغم من أنهم مطالبون بمغادرة ألمانيا، فيبدو أنه من السابق لأوانه القول إن الحكومة سترحلهم بشكل إجباري، نظرًا لصعوبات لوجستية، وللأوضاع المعقدة في سوريا، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا أو خدميًا، بعد سنوات من الدمار.
وبذلك، يركز التحالف الحكومي على ترحيل المدانين السوريين إلى وطنهم في أسرع وقت ممكن، وتشجيع العودة الطوعية لبقية اللاجئين السوريين. وقد عبر المستشار فريدريس ميرتس في عدة مناسبات عن هذا، حيث قال في أكتوبر إن الحرب في سوريا انتهت، “ولم تعد هناك أسباب للجوء في ألمانيا، ولذلك يمكننا البدء في عمليات الترحيل”.
رفض طلبات لجوء الكثير من السوريين
بعد تعليق دراسة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين لعدة أشهر عقب الإطاحة بنظام الأسد، عادت السلطات الألمانية لاستئناف دراسة جزء من هذه الطلبات والبت فيها بسرعة، وكانت النتيجة بالرفض بنسبة تفوق 99%، حيث كانت معظم الملفات التي تم دراستها تخص طالبي لجوء من العرب السنة، بينما تم تأجيل دراسة طلبات بقية فئات المجتمع السوري، وفق السياسة غير المعلنة التي يتبعها المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين حاليًا.
وفي صيف 2025، قال ألكسندر تروم، المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي لشؤون السياسة الداخلية: “على الأقل، يمكن للعرب السنة، الذين يشكلون الغالبية العظمى من السوريين في ألمانيا، العودة بأمان إلى سوريا”، كما يرى القيادي في نفس الحزب، ألكسندر هوفمان، أن عمليات الترحيل “صائبة تمامًا”، مضيفًا أنه ينبغي النظر في إمكانية وجود ملاذات آمنة في دول تعاني من أزمات مثل سوريا.
الحسم سيكون عبر القضاء
من المتوقع أن تتبع موجة الرفض الكبيرة هذه موجة من الطعون التي سترفع إلى المحاكم الإدارية والإدارية العليا، وستكون هذه الموجات حاسمة في عام 2026، ففي حال صادق القضاء على قرارات رفض طلبات اللجوء للسوريين، سيقوم المكتب الاتحادي بتسريع دراسة كافة طلبات اللجوء واستمرار رفضها، لعدم وجود خطر على مقدمي الطلبات من مناطق معينة في سوريا.
وبالتالي، قد يتم منح المرفوضة طلباتهم ما يُعرف بـ”دولدونغ” باللغة الألمانية، أي منع مؤقت من الترحيل، مما يتيح لهم البقاء في ألمانيا لفترة قصيرة يمكن تجديدها، لكنهم سيظل محرومين من العديد من الحقوق مقارنة بحاملي الإقامات النظامية، مثل إمكانية الحصول على الجنسية الألمانية مستقبلًا.
أما إذا اتجه القضاء إلى رفض قرارات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، فسيجد الحكومة الألمانية نفسها في مأزق حول كيفية التعامل مع طلبات اللجوء المقدمة من السوريين.
تحرير: عبده جميل المخلافي
