
مع حلول شهر رمضان، بدأت مصر في تنفيذ حزمة جديدة وشاملة للحماية الاجتماعية، تهدف إلى دعم الفئات الأكثر احتياجًا وذوي الدخل المحدود، بتكلفة إجمالية قدرها 40.3 مليار جنيه (859 مليون دولار)، وتشمل هذه الحزمة زيادات في دعم البطاقات التموينية، وتوفير الرعاية الصحية، ومنح معاشات “تكافل وكرامة” ومعاشات الطفل، بالإضافة إلى دعم الرائدات الريفيات، وغيرها من أشكال الدعم المختلفة، السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي تفاصيل هذه الحزمة؟ وكيف يمكن للمواطن المصري الاستفادة منها؟
مقارنة بغيرها من الدول العربية، تظهر موازنات بعض الدول العربية أن مصر تقع في موقع متوسط من حيث الدعم الاجتماعي الذي تقدمه لشعبها، فهي تقدم دعمًا واسعًا نسبيًا نظرًا لكثافتها السكانية التي تبلغ 112 مليون نسمة، ولكنه أقل من الدول النفطية من حيث القيمة المطلقة، وعلى الجانب الآخر، تتصدر الجزائر قائمة الدول من حيث حجم الدعم، بينما تعتمد تونس نموذجًا مرتفع التكلفة مقارنة بقدراتها، في حين يتجه المغرب نحو الاستهداف، وتميل دول الخليج مثل السعودية والإمارات إلى تحويل الدعم إلى أدوات نقدية وكفاءة إنفاق بدلاً من الدعم الشامل للأسعار.
ما هي الحزمة الجديدة للحماية الاجتماعية في مصر؟
تأتي هذه الحزمة في توقيت مهم، بالتزامن مع شهر رمضان المبارك، ويركز أبرز ما تتضمنه على تقديم مساندة نقدية مباشرة للفئات المستحقة، بهدف تحسين أحوالهم المعيشية خلال شهر رمضان وعيد الفطر، بالإضافة إلى ذلك، وجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بعلاج جميع الحالات الحرجة على نفقة الدولة، ليتم الاحتفال بشفائها بحلول عيد الفطر، كما تتضمن الحزمة تقديم مساندة نقدية إضافية بقيمة 400 جنيه لعشرة ملايين أسرة مقيدة على البطاقات التموينية خلال شهري مارس وأبريل، بتكلفة إجمالية تبلغ 8 مليارات جنيه.
تشمل حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة أيضًا تقديم 400 جنيه كمساعدة نقدية إضافية خلال شهر رمضان وعيد الفطر، يستفيد منها 5.2 ملايين أسرة من برنامج “تكافل وكرامة”، بتكلفة إجمالية تصل إلى 4 مليارات جنيه، بالإضافة إلى ذلك، سيتم تقديم 300 جنيه كمساعدة نقدية إضافية خلال شهر رمضان والعيد، يستفيد منها 45 ألفًا من المستفيدين من معاش الطفل والرائدات الريفيات.
في إطار الحزمة الجديدة، تم تخصيص 3 مليارات جنيه لتسريع الانتهاء من قوائم انتظار المرضى والحالات الحرجة، وذلك لتخفيف آلامهم وآلام أسرهم، بالإضافة إلى ذلك، تم تخصيص 3 مليارات جنيه لزيادة مخصصات العلاج على نفقة الدولة لمحدودي الدخل، الذين ليس لديهم تغطية تأمينية خلال الفترة من فبراير وحتى يونيو 2026.
تضمنت بنود حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة تخصيص 3.3 مليارات جنيه للتعجيل بدخول التأمين الصحي الشامل لمحافظة المنيا، اعتبارًا من أول أبريل المقبل، وأكدت وزارة المالية المصرية تحمل الخزانة العامة قيمة اشتراكات غير القادرين على الدفع في منظومة التأمين الصحي الشامل بالمنيا.
كما خصصت الحكومة المصرية 15 مليار جنيه لمبادرة “حياة كريمة”، بهدف تسريع الانتهاء من حوالي ألف مشروع، بما يضمن تحسين جودة الخدمات في جميع قرى المرحلة الأولى، بالإضافة إلى ذلك، تم تخصيص 4 مليارات جنيه لتغطية تكلفة زيادة سعر توريد أردب القمح المحلي لموسم 2026، من 2200 جنيه إلى 2350 جنيهًا.
يقول هاني صبحي، الخبير الاقتصادي، لـ”أقرأ نيوز 24″ إن حزمة الحماية الاجتماعية تعتبر خطوة مهمة لتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، في ظل الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة، حيث لا يزال معدل التضخم في مصر مرتفعًا، على الرغم من تباطئه ووصوله إلى 11.9% على أساس سنوي في يناير، مقابل 12.3% في الشهر السابق، وأضاف أن الحزمة تستهدف بشكل مباشر الفئات الأكثر احتياجًا، من خلال تقديم دعم نقدي فوري وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية.
تكمن أهمية هذه الحزمة، التي تبلغ تكلفتها حوالي 40.3 مليار جنيه، بحسب صبحي، في قدرتها على تحقيق توازن بين الدعم الاستهلاكي قصير الأجل وتحسين جودة الحياة على المدى المتوسط، حيث يستفيد نحو 10 ملايين أسرة من زيادة الدعم على بطاقات التموين، بالإضافة إلى 5.2 ملايين أسرة ضمن برنامج “تكافل وكرامة”، مما يعزز القدرة الشرائية للأسر خلال موسم ذروة الإنفاق في رمضان والعيد.
ويضيف صبحي أن آثار الحزمة تمتد إلى قطاع الصحة، من خلال تمويل علاج الحالات الحرجة وقوائم الانتظار، وتوسيع مظلة التأمين الصحي الشامل للفئات غير القادرة، فضلاً عن دعم مبادرات تنموية مثل “حياة كريمة”، وتحفيز الإنتاج الزراعي عبر رفع سعر توريد القمح، وبالتالي، فإن استفادة المواطن المصري لا تقتصر على الدعم النقدي المباشر، بل تشمل أيضًا تحسين الخدمات الصحية والبنية التحتية الريفية، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من تداعيات الأزمات الاقتصادية على الفئات الأكثر هشاشة.
حجم الدعم في الدول العربية
يوضح هاني صبحي أن المقارنات بين الدول العربية تظهر تفاوتًا واضحًا في حجم الدعم الحكومي الموجه للمواطنين، سواء من حيث القيمة الإجمالية أو من حيث نسبته إلى الإنفاق العام، فقد خصصت مصر حوالي 391.2 مليار جنيه (8.32 مليارات دولار) لدعم السلع والطاقة والخدمات الاجتماعية، بما يعادل 8.6% من إجمالي إنفاقها، في حين بلغت مخصصات الدعم في الأردن حوالي 785 مليون دينار (1.11 مليار دولار)، وتمثل 6% من الإنفاق العام، وهي موجهة أساسًا لدعم الأسر الفقيرة والقطاع الصحي والخبز والطاقة.
في الإمارات، تتبنى الحكومة نموذجًا مختلفًا يعتمد على كفاءة الإنفاق لا على حجمه، حيث يقاس الدعم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد حققت الدولة تقدمًا إلى المرتبة الـ 16 عالميًا في مؤشر الدعم الحكومي.
يركز الدعم الإماراتي على الخدمات والبنية التحتية والتحفيز الاقتصادي بدلاً من دعم الأسعار مباشرة، مما يقلل العبء المالي ويعزز الاستدامة.
في تونس، ترتفع نسبة الدعم إلى 15.4% من الإنفاق العام بإجمالي 9.8 مليارات دينار (3.4 مليارات دولار)، مع تركيز كبير على دعم المحروقات والمواد الأساسية، بينما تتصدر الجزائر الدول العربية من حيث حجم الدعم، إذ تخصص حوالي 6 تريليونات دينار (46.3 مليار دولار)، أي ما يعادل 34.1% من الإنفاق العام، وتشمل دعمًا واسعًا للمواد الأساسية والتحويلات الاجتماعية.
أما المغرب، فيقدم دعمًا بقيمة 56.2 مليار درهم (5.62 مليارات دولار)، بما يعادل 7.4% من الإنفاق العام، ويتركز على الحماية الاجتماعية والمواد الأساسية والسكن، فيما تبلغ مخصصات الدعم في سلطنة عُمان حوالي 1.42 مليار ريال (3.7 مليارات دولار) بنسبة 11.8%، وهي موجهة بشكل رئيسي للكهرباء والمياه والحماية الاجتماعية.
في البحرين، تصل نسبة الدعم إلى 16.5% من الإنفاق العام بإجمالي 748.5 مليون دينار (1.98 مليار دولار)، مع تركيز على دعم المتقاعدين وبرامج التحويلات النقدية، بينما تعد الكويت من أعلى الدول الخليجية إنفاقًا على الدعم بقيمة 7.3 مليارات دينار (23.7 مليار دولار)، وتمثل حوالي 29.75% من الإنفاق العام، مدفوعة بالمنح والمزايا الاجتماعية المباشرة.
وفي العراق، تبلغ مخصصات الدعم حوالي 15.84 تريليون دينار (12.04 مليار دولار)، بما يعادل 8% من الإنفاق العام، وتتنوع بين دعم الأمن الغذائي والطاقة وشبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.
