مصر ليست شركة للبيع الفراعنة أداروا ذهب السكري لحماية ثرواتها

مصر ليست شركة للبيع الفراعنة أداروا ذهب السكري لحماية ثرواتها

يُعرب حزب غد الثورة الليبرالي المصري عن قلقه العميق إزاء الوتيرة المتصاعدة لبيع الأصول العامة وحقوق الانتفاع بالموارد الاستراتيجية، التي تتم تحت مبررات مثل «سد الفجوة التمويلية» و«جذب الاستثمار»، في حين يتجاهل النقاش سؤالاً جوهرياً، هو: أين موقع الأجيال القادمة في معادلة البيع هذه؟ وأين نصيبهم من ثروات لم يشاركوا في استهلاكها؟

تؤكد المادة (32) من الدستور المصري على أن الموارد الطبيعية هي ملك للشعب، وتلزم الدولة بالحفاظ عليها وعدم استنزافها، مع ضرورة مراعاة حقوق الأجيال القادمة، هذا النص يمثل التزاماً دستورياً صريحاً، ولا يجيز تحويل الأصول الاستراتيجية إلى مجرد أدوات لسداد التزامات قصيرة الأجل، أو لمعالجة عجز مؤقت في الموازنة العامة.

منجم السكري: ضمانة للأجيال القادمة

تُعد تجربة منجم السكري للذهب، الكائن بالقرب من مرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، مثالاً بالغ الأهمية، يُصنف المنجم كواحد من أكبر مناجم الذهب عالمياً من حيث الاحتياطي والإنتاج، وتتناقل الروايات التاريخية قرار الملك فاروق بإغلاقه في أربعينيات القرن الماضي، معتبراً إياه احتياطياً استراتيجياً للأجيال القادمة، فالثرورة الطبيعية ليست مجرد سلعة استهلاكية عابرة، بل هي ضمانة استراتيجية طويلة الأمد لمستقبل الوطن.

تسارع بيع الأصول في السنوات الأخيرة

شهدت السنوات الأخيرة تسارعاً لافتاً في برنامج الطروحات الحكومية، شمل بيع حصص في شركات مملوكة للدولة، وعرض أصول في قطاعات حيوية مثل الطاقة، الموانئ، الخدمات اللوجستية، الصناعة، والبنوك، كما أُعلنت صفقات مهمة في قطاعات الأسمدة والبتروكيماويات والطاقة المتجددة، إضافة إلى تخارج جزئي من شركات استراتيجية، ومنح امتيازات طويلة الأجل في موانئ ومحطات حاويات، وبيع حصص في شركات مدرجة بالبورصة، وذلك كله في إطار «وثيقة سياسة ملكية الدولة» والاتفاقات التمويلية المبرمة مع المؤسسات الدولية.

معالجة الدين: بيع الأصول ليس الحل المستدام

تأتي هذه الإجراءات في ظل ضغوط مالية واضحة؛ حيث تجاوز الدين الخارجي 160 مليار دولار أمريكي، وفقاً لأحدث البيانات الرسمية، بينما ارتفعت أعباء خدمة الدين لتمثل نسبة كبيرة من إجمالي الإنفاق العام، إلا أن معالجة الدين عبر بيع الأصول تشبه تماماً سداد فاتورة الكهرباء ببيع المنزل نفسه، إنه حل سريع لكنه يُفقد الدولة مصدراً دائماً للقيمة والثروة.

فلسفة اقتصاد السوق وإدارة الأصول

إن اقتصاد السوق الذي نؤمن به لا يعني إطلاقاً التخلي عن الأصول الاستراتيجية، بل يتطلب حسن إدارتها وتعظيم عوائدها، فالفارق جوهري بين الشراكة الإنتاجية المتوازنة التي تهدف إلى نقل التكنولوجيا، زيادة القيمة المضافة، وتوسيع القاعدة الصناعية، وبين مجرد بيع الأصول القائمة لتغطية فجوة تمويلية مؤقتة.

مخاطر استمرار نهج بيع الأصول

يرى الحزب أن استمرار هذا النهج يحمل في طياته مخاطر متعددة، أبرزها:

  • تراجع قدرة الدولة على التحكم والسيطرة في قطاعات حيوية ومصيرية.
  • انخفاض نصيب الخزانة العامة من العوائد المستقبلية المستدامة التي يمكن أن تولدها هذه الأصول.
  • تحميل الأجيال القادمة أعباء ديون ضخمة مقابل أصول تم بيعها واستنزافها.
  • تقليص أدوات السياسة الاقتصادية السيادية المتاحة للدولة في مواجهة الأزمات المستقبلية.

مقترحات حزب غد الثورة لمعالجة الأزمة

انطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، يقدم حزب غد الثورة حزمة من المقترحات الواضحة والمحددة، بهدف معالجة هذه الأزمة:

  • إصدار قانون خاص بالأصول الاستراتيجية، يلزم بعرض أي عملية بيع أو منح امتياز طويل الأجل على البرلمان، مع نشر العقود ودراسات الجدوى كاملة للرأي العام.
  • إنشاء صندوق وطني للأجيال القادمة، تودع فيه نسبة ثابتة من عوائد الموارد الطبيعية والقطاعات السيادية، لضمان تحويل الموارد الناضبة إلى أصول استثمارية دائمة ومستمرة.
  • إعادة تقييم شاملة لبرنامج الطروحات الحكومية، بحيث يقتصر على الشراكات الإنتاجية التي تضيف قيمة تكنولوجية وصناعية حقيقية، لا مجرد نقل للملكية.
  • إصلاح هيكل الإنفاق العام بفعالية، عبر وقف المشروعات غير ذات الأولوية الاقتصادية الفورية، وتوجيه الموارد نحو قطاعات حيوية مثل التعليم، الصحة، والصناعات التصديرية.
  • توسيع القاعدة الضريبية بعدالة وشفافية، ومكافحة التهرب الضريبي بصرامة، لتوفير موارد مستدامة دون إثقال كاهل الفئات المتوسطة والفقيرة.
  • ربط الاقتراض الخارجي بمشروعات إنتاجية واضحة ومجدية، تكون لديها القدرة على توليد العملة الصعبة والسداد الذاتي، بدلاً من استخدامه في سد العجز الجاري.

حقوق الأجيال القادمة: مبدأ تنموي وليس ترفاً

إن حقوق الأجيال القادمة ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي مبدأ اقتصادي راسخ ضمن أدبيات التنمية المستدامة، فالأمم الرشيدة لا تلجأ لبيع أصولها لتأجيل أزمتها عاماً أو عامين، بل تعمل على إعادة هيكلة اقتصادها ليصبح منتجاً قادراً على توليد الثروة بشكل مستدام.

مصر ليست للبيع: وطن عظيم بموارد فريدة

مصر ليست مجرد شركة مفلسة تبحث عن مشترٍ أخير، بل هي دولة ذات حضارة عريقة، وموارد وفيرة، وموقع استراتيجي فريد، نحن نرحب بالاستثمار الهادف، ونطالب بالشراكات المتوازنة التي تخدم مصالح الجميع، لكن التفريط في مقدرات الوطن ليس إصلاحاً، والبيع المطلق ليس قدراً محتوماً.

رئيس حزب غد الثورة الليبرالي المصري
د. أيمن نور
27 فبراير 2026