
لطالما صدحت الحكمة القديمة بأن “في الحركة بركة”، واليوم، يأتي العلم الحديث ليترجم هذه المقولة العميقة إلى حقائق بيولوجية ملموسة داخل أدق خلايا الدماغ. لم يعد المشي مجرد نشاط رياضي لتحسين اللياقة أو حرق السعرات الحرارية فحسب، بل كشفت دراسات حديثة ومبتكرة أنه يعمل كـ “ممحاة” بيولوجية فعالة، تبطئ بشكل ملحوظ تراكم البروتينات الضارة التي تُعد المتهم الرئيسي في تدهور الذاكرة والوظائف الإدراكية. ضمن هذا التقرير، نستعرض تفاصيل دراسة بحثية استمرت ما يقارب الخمسة عشر عامًا، لتؤكد أن الطريق إلى عقل سليم ومعافى قد ينطلق ببساطة من خطواتك اليومية، مرتدياً حذاءك الرياضي.
دراسة هارفارد لـ 14 عامًا: المشي ومحاربة تدهور الدماغ
أظهرت دراسة بحثية رائدة، أجراها خبراء من جامعة “هارفارد” ونشرت نتائجها المذهلة في مجلة Nature Medicine المرموقة، وجود ارتباط وثيق وحاسم بين ممارسة النشاط البدني بشكل يومي وإبطاء معدل التدهور المعرفي. هذه الدراسة الطويلة، التي امتدت لأربعة عشر عامًا، شملت 294 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين الخمسين والتسعين عامًا، والذين كانوا يحملون مؤشرات حيوية لمرض الزهايمر رغم عدم ظهور أعراضه عليهم، وقد توصلت الدراسة إلى خلاصات مبهرة:
- **تحجيم البروتينات الضارة:** أثبتت التحليلات والفحوصات الدقيقة أن المداومة على المشي المنتظم تسهم بفعالية في تقليل تراكم بروتيني “تاو” و”الأميلويد”، وهما البروتينان الأساسيان المعروفان بدورهما في إتلاف خلايا الدماغ والتسبب في فقدان الذاكرة.
- **عدد الخطوات المثالي:** كشفت النتائج عن أن المشي ما بين 5000 و7500 خطوة يوميًا يقدم أقصى مستويات الفائدة الممكنة للحفاظ على صحة الدماغ ووظائفه، مع الإشارة إلى أن الفوائد الإيجابية تبدأ في الظهور بوضوح حتى عند المشي 3000 خطوة فقط.
- **ارتباط مباشر وإيجابي:** لوحظ وجود علاقة طردية واضحة، فكلما ازداد مستوى النشاط البدني المعتدل الذي يمارسه المشاركون، تباطأ معدل تدهور مهاراتهم في التفكير والذاكرة بشكل ملحوظ وملفت للانتباه.
الخبراء يؤكدون: النشاط البدني هو الدرع الواقي للدماغ
في تعليقها على النتائج، أكدت البروفيسورة تارا سبايرز جونز، وهي رئيسة فريق البحث الموقر في معهد أبحاث الخرف ببريطانيا، أن هذه الدراسة تقدم دليلًا قاطعًا ولا يمكن دحضه على أن الأفراد الذين تظهر عليهم بوادر مبكرة للمرض يمكنهم حصد فوائد جمة من ممارسة نشاط بدني بسيط، مما يسهم في إطالة العمر الافتراضي لخلاياهم الدماغية الحيوية.
وبدوره، أشار البروفيسور تشارلز مارشال من جامعة كوين ماري إلى أن هذه الشواهد القوية تعزز بقوة الفرضية التي مفادها أن النشاط البدني المعتدل يمثل أحد أقوى الأسلحة الوقائية المتاحة لمواجهة المراحل الأولى من المرض، حتى وإن كانت العلاقة السببية المباشرة لا تزال قيد البحث والتدقيق النهائي.
الوقاية من الخرف بنسبة 45%: نمط الحياة النشط هو المفتاح
تُشدد الجمعيات العالمية المتخصصة في أبحاث الزهايمر، وعلى رأسها جمعية الزهايمر البريطانية المرموقة، على مجموعة من الحقائق الجوهرية التي لا غنى عنها في فهم كيفية الوقاية من هذا المرض، وفي مقدمتها:
- **إمكانية الوقاية العالية:** من الممكن تفادي ما يصل إلى 45% من حالات الخرف المنتشرة عن طريق معالجة عوامل الخطر المعروفة، ويأتي في مقدمتها التخلص من الخمول البدني واعتماد أسلوب حياة نشط.
- **القاعدة الذهبية للصحة:** المقولة “ما يفيد القلب يفيد الدماغ” ليست مجرد مقولة، بل هي حقيقة علمية؛ فالدورة الدموية النشطة التي ينشطها المشي بشكل فعال، تنعكس إيجابًا ومباشرة على تحسين التروية الدموية للدماغ، مما يوفر له حماية قوية ضد عمليات التنكس والتلف.
نقلًا عن أقرأ نيوز 24
يمكنك مشاركة هذا الخبر القيم على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بك.
