«ملفات على الطاولة» خبراء يكشفون تفاصيل ومخرجات زيارة صندوق النقد الدولي لمصر بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح

«ملفات على الطاولة» خبراء يكشفون تفاصيل ومخرجات زيارة صندوق النقد الدولي لمصر بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح

أكد عدد من خبراء القطاع المصرفي أن التطورات الملموسة التي شهدتها الأشهر الأخيرة لعبت دورًا رئيسيًا في تعزيز النظرة الإيجابية للاقتصاد المصري، وعلى رأسها التدفقات الكبيرة من النقد الأجنبي، سواء من الاستثمارات الأجنبية المباشرة مثل مشروع “علم الروم”، أو من خلال الإجراءات الحكومية الفعالة لضبط سوق الصرف، التي أسفرت عن تراجع سعر الدولار إلى نحو 47 جنيهًا، والقضاء على السوق السوداء تمامًا. وقد تزامن ذلك مع بيان صادر عن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية بالتزامن مع مراجعات صندوق النقد الدولي، والذي يعكس تفاؤلًا حكوميًا واضحًا بمسار الاقتصاد المصري، وهو ما أكده الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح، موضحًا أن المؤشرات الحالية جاءت أفضل من التوقعات.

هذه التطورات الإيجابية انعكست أيضًا في تجاوز الاحتياطي النقدي المصري حاجز الـ 50 مليار دولار بنهاية أكتوبر الماضي، إلى جانب تراجع ملحوظ في معدلات التضخم لتصل إلى نحو 12.5%، الأمر الذي منح الاقتصاد المصري قدرًا من الاستقرار النسبي في هذه الفترة الحيوية.

كما حظيت الإصلاحات الهيكلية التي تبنتها الحكومة، لاسيما تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال الرقمية، بإشادة بعثة صندوق النقد الدولي، التي نوهت بالتقدم الملحوظ والجدية في تنفيذ هذه الإجراءات الضرورية لتعزيز النمو الاقتصادي.

تحليل واقعي: بين التدفقات المؤقتة والإصلاح المستدام

لكن التحليل الاقتصادي الواقعي، وفق ما أكده الخبير هاني أبو الفتوح، يفرض التمييز الواضح بين التحسن النابع من تدفقات رأسمالية قد تكون مؤقتة وبين الإصلاح الهيكلي المستدام، فالتحسن الملحوظ في سعر الصرف وزيادة الاحتياطي النقدي يعودان بدرجة كبيرة إلى تدفقات غير متكررة شكلت دعمًا سريعًا للاقتصاد، بينما تبقى استدامة هذا التحسن مرهونة بالتطبيق الفعلي والكامل لبرامج الإصلاح الشاملة، وعلى رأسها برنامج الطروحات الحكومية الفعّال وتعزيز دور القطاع الخاص كقاطرة للنمو.

تحديات التحول نحو النمو بقيادة القطاع الخاص

ويرى أبو الفتوح أن التحدي الجوهري يكمن في كيفية تحويل الاستقرار الاقتصادي الحالي إلى نمو مستدام يقوده القطاع الخاص، مع زيادة القدرات الإنتاجية والتنافسية للاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن تحويل مصر إلى مركز إقليمي رائد للتصدير وسلاسل الإمداد يتطلب خطوات عملية وجادة في ملفات تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية، وتخفيف الأعباء غير الضريبية التي تثقل كاهل المستثمرين والشركات.

الثقة المالية والمؤسسية: نظرة مستقبلية

يُتوقع أن تؤدي موافقة صندوق النقد الدولي على المراجعتين المقبلتين، بما يضخ نحو 2.7 مليار دولار إضافية من التمويل، إلى منح مصر شهادة ثقة مالية ومؤسسية دولية، إلا أن الثقة طويلة الأمد—بحسب أبو الفتوح—مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتحقيق نتائج هيكلية ملموسة تتجاوز مجرد الإصلاحات الورقية، وتعزز استدامة المؤشرات الإيجابية بعيدًا عن تقلبات التدفقات الأجنبية المحتملة.

المراجعات الدورية لصندوق النقد الدولي: تفاصيل هامة

في سياق متصل، أوضح الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، أن بعثة صندوق النقد الدولي قد بدأت زيارتها للقاهرة في أوائل ديسمبر الحالي (في الوقت الحالي)، لإجراء المراجعتين الخامسة والسادسة معًا، بالإضافة إلى المراجعة الأولى لاتفاق تسهيل الصلابة والاستدامة (RSF).

وأشار حسانين إلى أنه تم دمج المراجعتين الخامسة والسادسة في مراجعة واحدة بعد تأجيلهما، بهدف منح الحكومة المصرية مزيدًا من الوقت لاستكمال الإصلاحات الهيكلية المتفق عليها، لافتًا إلى أنه من المتوقع أن تحصل مصر على دفعة مجمعة بقيمة 2.4 مليار دولار أمريكي في حال إتمام المراجعتين والموافقة عليهما من قبل المجلس التنفيذي للصندوق، وهو ما قد يتم خلال شهر ديسمبر أو في المستقبل القريب بعد اختتام البعثة لعملها.

وأضاف حسانين أن المناقشات الجارية مع بعثة الصندوق تتركز حاليًا بشكل رئيسي حول مدى تقدم الحكومة المصرية في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الرئيسية، والتي تشمل:

أبرز محاور الإصلاحات الهيكلية المتفق عليها

  • **سياسات ملكية الدولة والتخارج من الأصول (برنامج الطروحات):** تهدف إلى تقليل دور الدولة في الاقتصاد وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص، وتسريع وتنفيذ برنامج الطروحات الحكومية لبيع حصص في الشركات الحكومية. كما يتفهم الصندوق احتمال ترحيل بعض الطروحات إلى عام 2026، طالما كانت هناك رؤية موثوقة وخطة واضحة لاستكمالها.
  • **الاستقرار الاقتصادي الكلي والإصلاحات الأعمق:** الالتزام بالإصلاحات لتعزيز نمو اقتصادي أكثر شمولًا ومرونة، مع التركيز على تحسين بيئة الاستثمار والتجارة وتبسيط الإجراءات للمستثمرين لتشجيع وجذب الاستثمارات.
  • **إدارة الدين وخفض الدين العام:** تحسين إيرادات الدولة، وتحسين مؤشرات الدين للناتج المحلي الإجمالي، لضمان استدامة الوضع المالي للدولة على المدى الطويل.

تأتي هذه المراجعات في إطار برنامج الإصلاحات الهيكلية الشاملة المتفق عليها بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، والذي يهدف إلى تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي المستدام، من خلال تقليل دور الدولة في الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتحسين جاذبية بيئة الاستثمار، إلى جانب الإدارة الفعالة للدين العام وتحسين مؤشراته الحيوية.