
جفرا نيوز –
بقلم: غازي عليان
أمين عام حزب مسار
لم يعد الحديث عن الضمان الاجتماعي في الأردن مجرد نقاش تقني يقتصر على الأرقام أو التعديلات القانونية، بل تحول إلى قضية وطنية بامتياز، تمس حاضر الأردنيين ومستقبلهم، وتهدد إحدى أهم ركائز الأمن الاجتماعي واستقرار الدولة.
تعديلات الضمان الاجتماعي: سياق وطني متوتر
إن المشروع المقترح لتعديل قانون الضمان الاجتماعي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، فالمواطن الأردني يواجه أعباءً اقتصادية متزايدة، وتتراجع الثقة بالقرارات الحكومية بشكل ملحوظ، خاصة حينما تمس هذه القرارات أموالًا هي في الأصل ملكٌ للمواطنين، والتي اقتُطعت من رواتبهم على مدار سنوات طويلة، بهدف أن تكون سنداً ودعماً لهم في شيخوختهم، لا عبئاً إضافياً يثقل كاهلهم.
الضمان الاجتماعي: حق دستوري لا منة حكومية
يجب التأكيد أن الضمان الاجتماعي ليس منّة من أحد، ولا امتيازاً تمنحه الحكومات، بل هو حق أصيل ومكفول بالدستور، يقوم على مبدأ العدالة الاجتماعية والتكافل بين أبناء المجتمع، ولذلك، فإن أي مساس بهذا الحق، أو إعادة تشكيله بطريقة تضر بالمشتركين، يُعد تعدياً مباشراً على حقوق المواطنين الأساسية.
إدارة أموال الضمان: غياب الشفافية والمساءلة
من المؤسف أن الحكومات المتعاقبة تعاملت مع أموال الضمان الاجتماعي وكأنها جزء لا يتجزأ من خزينة الدولة، حيث جرى توجيه مليارات الدنانير نحو مشاريع لم تحقق الجدوى المرجوة، حتى بلغ حجم الأموال المترتبة في ذمة الحكومة أكثر من أحد عشر مليار دينار، وكل ذلك تم دون شفافية كافية أو مساءلة حقيقية.
المشروع الجديد: قلق متزايد حول مستقبل الضمان
اليوم، يأتي المشروع الجديد ليضيف المزيد من القلق والتوتر، فهو يقترح رفع سن التقاعد، وتشديد شروط التقاعد المبكر، فارضاً واقعاً جديداً يحوّل الضمان الاجتماعي من نظام حماية وتأمين إلى عبء طويل الأمد على المشتركين، وعندما يُطلب من المواطن العمل لمدة ثلاثين عاماً متواصلة ليصبح مستحقاً للتقاعد، في ظل متوسط أعمار لا يتجاوز السبعين عاماً في كثير من الأحيان، فإن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه بقوة هو: لمن تُدفع كل هذه الاشتراكات؟
خطر التطبيق بأثر رجعي: تهديد للعدالة والثقة
الأخطر من كل ذلك هو الحديث عن إمكانية تطبيق هذه التعديلات بأثر رجعي، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة والإنصاف، ويُعد مصادرة للحقوق المكتسبة، الأمر الذي يقوض الثقة بين المواطن والدولة في الصميم.
تبعات التعديلات المقترحة: تهديد للاستقرار الاجتماعي
إن مثل هذه السياسات لا تهدد الأفراد وحدهم، بل تمس استقرار المجتمع بأكمله وتماسكه، فهي تدفع المشتركين إلى العزوف عن الاشتراك الاختياري، وتشجع على التهرب من دفع الاشتراكات، مما يؤدي إلى انخفاض رواتب المتقاعدين، ويزيد بدوره من نسب الفقر، بالإضافة إلى رفع معدلات البطالة بين الشباب نتيجة لتأخير سن التقاعد.
غياب المشاركة الحقيقية: جدل حول استشارة المعنيين
في ظل هذه المعطيات المقلقة، فإن ما يُطرح من ندوات أو حملات ترويجية لا يغير من حقيقة أن المواطن لم يُستشر بشكل حقيقي وفعّال، وأن أصحاب المصلحة الأساسيين، بمن فيهم العمال والموظفون والنقابات، لم يكونوا شركاء فاعلين في صياغة هذا المشروع، بل تم تهميشهم.
إصلاحات ضرورية: نحو ضمان اجتماعي عادل ومستقل
إن المطلوب اليوم ليس فرض تعديلات تنتقص من حقوق الناس، بل إصلاح حقيقي وجذري، يرتكز على عدة محاور أساسية:
- إعادة أموال الضمان المترتبة في ذمة الحكومة، لضمان استدامته المالي.
- تعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية التامة في إدارة الصندوق، لمنع أي تجاوزات.
- ضمان استقلالية المؤسسة عن أي تدخلات سياسية أو حكومية، لحماية قراراتها.
- إشراك المشتركين أنفسهم وممثليهم في إدارة أموالهم وصياغة سياسات الضمان.
- وضع سقف أعلى للرواتب التقاعدية، لتحقيق عدالة أكبر بين جميع المستفيدين.
- فصل التقاعد العسكري بشكل كامل عن نظام الضمان الاجتماعي المدني، لتخفيف العبء عن الصندوق وضمان التوازن بين مختلف الفئات.
هذه الإجراءات تهدف إلى حفظ التوازن بين مختلف الفئات، وتمنع تحميل النظام أعباءً تفوق قدرته الاستيعابية.
الضمان الاجتماعي: خط أحمر يمس كرامة الأردنيين
إن الضمان الاجتماعي يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، لأنه يمثل الأمان الأخير للمواطن الأردني، فالقضية هنا ليست مالية فحسب، بل هي قضية كرامة وعدالة اجتماعية، ومستقبل وطن بأكمله.
دعوة لمجلس النواب: حماية حقوق الشعب
وفي الختام، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الجميع، وخاصة على مجلس النواب الأردني، الذي يُفترض أن يكون صوت الشعب وحامياً لحقوقه ومصالحه، بأن يتخذ موقفاً واضحاً وثابتاً، رافضاً لأي تعديلات تنتقص من حقوق الأردنيين المشروعة.
فالأوطان لا تُبنى على القرارات المفروضة والإملاءات، بل تُشيّد بالعدالة، والشفافية، والاحترام الكامل لحقوق المشتركين.
