«مهلة أم حل جذري؟ 60 مليار دينار على طاولة أزمة السيولة» طباعة 60 مليار دينار لتخفيف أزمة السيولة مجرد حل مؤقت يتطلب رؤية مستقبلية

«مهلة أم حل جذري؟ 60 مليار دينار على طاولة أزمة السيولة»
طباعة 60 مليار دينار لتخفيف أزمة السيولة مجرد حل مؤقت يتطلب رؤية مستقبلية

تُواجه ليبيا حالياً واحدة من أشد الأزمات النقدية تعقيداً منذ سنوات، تتجلى في طوابير طويلة أمام المصارف، وتنامي الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، إضافة إلى تضخم هائل في كتلة السيولة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي، مما يثير مخاوف جدية بشأن الاستقرار الاقتصادي والمالي في البلاد. وفي خضم الإجراءات الاستثنائية التي يتخذها مصرف ليبيا المركزي للتعامل مع هذه التحديات، تبرز تساؤلات حاسمة حول فعالية السياسة النقدية وقدرتها على احتواء الأزمة، خاصة في ظل الانقسام السياسي المستمر والإنفاق العام غير المنضبط الذي يضعف من أي جهود إصلاحية.

وفي هذا السياق، أكد أيوب محمد الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي وأستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن قرار طباعة 60 مليار دينار ليبي كان إجراءً اضطرارياً ومؤقتاً لمواجهة أزمة السيولة، وليس حلاً جذرياً للمشكلات النقدية المتراكمة، محذراً من أن حقن هذا المبلغ الضخم دفعة واحدة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية شديدة، ويزيد من الطلب على العملات الأجنبية في السوق الموازية. وأوضح الفارسي، خلال حواره مع «إرم بزنس»، أن جوهر الأزمة لا يكمن في شح النقد، بل في تآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسات المصرفية، مما دفع قطاعاً واسعاً من الليبيين للاحتفاظ بأموالهم خارج المصارف، لتشكّل هذه الكتلة النقدية الضخمة خارج النظام المصرفي عاملاً مؤثراً وكبيراً في الاقتصاد.

أصل الأزمة: فقدان الثقة وتراكم السيولة

أوضح الفارسي أن امتناع المواطنين عن إيداع أموالهم أسهم بشكل كبير في تراكم كميات ضخمة من السيولة خارج المصارف، مشيراً إلى أن هذه الأموال التي تغادر النظام المصرفي نادراً ما تعود إليه، باستثناء الحالات المحدودة التي تستهدف الحصول على العملات الأجنبية أو فتح الاعتمادات المستندية. وشدد على أن وجود هذه الكتلة النقدية الكبيرة لا يخلق أزمة سيولة حادة داخل المصارف فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى زيادة المعروض النقدي، وارتفاع مستمر في الطلب، وبالتالي تصاعد الأسعار بشكل يضغط على المستوى العام للتضخم، ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين بشكل ملحوظ.

التعامل مع 60 مليار دينار: استراتيجية الضخ التدريجي

كشف عضو لجنة السياسة النقدية أن المبلغ الإجمالي للـ 60 مليار دينار لم يُطبع بالكامل بعد، مؤكداً أن الدفعة الأولى فقط، والتي تقدر بنحو 12 مليار دينار، قد وصلت بالفعل، ومن المخطط توزيعها على مدار فترة تمتد إلى ثلاثة أشهر. وأكد الفارسي أن المصرف المركزي يتبع سياسة الضخ التدريجي للسيولة، وذلك بهدف الحفاظ على توفر نقدي جزئي ومستقر داخل المصارف، خاصة في الفترة التي تسبق وتتخلل شهر رمضان المبارك، وذلك لتجنب إحداث أي صدمة نقدية مفاجئة قد تؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي العام، وتتسبب في تقلبات حادة في سعر الصرف.

منع كارثة نقدية محتملة

أوضح الفارسي أن قرار طباعة العملة الجديدة جاء ضمن خطة استراتيجية لسحب إصدارات نقدية سابقة، ثبت أن كمياتها المتداولة في السوق تجاوزت بكثير الأرقام المسجلة رسمياً في سجلات المصرف المركزي، وهو ما كان يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار النظام النقدي للدولة بأكمله. وشدد على أن استمرار تداول تلك الإصدارات القديمة كان ليدفع بالاقتصاد الليبي نحو كارثة حقيقية، نتيجة فقدان السيطرة على حجم المعروض النقدي الإجمالي، وما يترتب عليه من ارتفاع غير منضبط في الطلب على العملات الأجنبية.

سحب 47 مليار دينار وأضرارها الاقتصادية

في سياق متصل بسحب فئات الدينار، و5، و10، و20 ديناراً، بالإضافة إلى فئة 50 ديناراً بالكامل، أكد الفارسي أن هذه الإصدارات تسببت في أضرار جسيمة للاقتصاد الليبي، لا يمكن تقديرها بالأرقام فحسب، بل تركت آثاراً عميقة على سلامة العملة واستقرارها على المدى الطويل. وأضاف أن كل محاولة لضخ السيولة الجديدة كانت تقابلها عملية امتصاص فورية من قبل الكتلة النقدية الهائلة المتداولة خارج المصارف، وهو ما أدى إلى تنشيط المضاربة على العملات الأجنبية، ودفع المصرف المركزي لاستنزاف جزء كبير من احتياطياته من أجل الدفاع عن قيمة الدينار الليبي.

اختلال التوازن النقدي وتداعياته السلبية

أشار المسؤول في المصرف المركزي إلى أن وجود كتلة نقدية ضخمة تسعى وراء كميات محدودة من النقد الأجنبي قد أحدث خللاً كبيراً في توازن العرض والطلب، وانعكس ذلك جلياً في الارتفاع المطرد لسعر الصرف في السوق الموازية، وتدهور متواصل في قيمة العملة المحلية. ولفت إلى أن الخسائر لم تقتصر على الجانب النقدي فحسب، بل امتدت لتشمل تراجعاً ملحوظاً في المستوى المعيشي للمواطنين، بالإضافة إلى تفشي ظاهرة غسل الأموال، حيث لا تزال كميات ضخمة من الأموال غير المشروعة متداولة ضمن الدورة الاقتصادية، وقد تحولت بالفعل إلى أصول وممتلكات متنوعة.

عملة “خارج النظام” تهدد الاستقرار النقدي

كشف الفارسي أن فئتي العشرين والخمسين ديناراً كانت كمياتهما المتداولة تتجاوز بكثير الأرقام المسجلة رسمياً، موضحاً أن فئة الخمسين ديناراً وحدها تقدر بنحو 3 مليارات دينار مطبوعة خارج إطار النظام المصرفي الشرعي. ونوّه إلى أن هذه العملة، رغم أنها غير نظامية، ليست مزورة من الناحية الفنية، فقد طُبعت بمواصفات مطابقة تماماً للعملة الرسمية، مما يجعل أجهزة كشف التزوير عاجزة عن التفرقة بينها وبين العملات القانونية، وهو ما شكل خطراً بالغاً يهدد سلامة واستقرار النظام النقدي الليبي برمته.

توحيد وحدة الإصدار لمنع التجاوزات المستقبلية

أفاد الفارسي بأن العملة التي طُبعت في روسيا قد خرجت بالكامل من التداول داخل ليبيا، مؤكداً أن توحيد وحدة الإصدار في المصرف المركزي بطرابلس، والتعاون الحصري مع شركة «دي لا رو» البريطانية، سيحد بشكل كبير من تكرار عمليات الطباعة النقدية خارج الإطار الرسمي والقانوني. وأضاف أن الظروف الأمنية والسياسية غير المستقرة التي سمحت بحدوث تلك التجاوزات في الماضي لم تعد قائمة، وذلك بعد نجاح عملية إعادة توحيد المصرف المركزي، وإحكام السيطرة على آليات الإصدار النقدي.

الدفع الإلكتروني: ضرورة اقتصادية ملحة

أكد الفارسي أن المصرف المركزي يولي أهمية قصوى لتشجيع وتوسيع نطاق استخدام الدفع الإلكتروني، بوصفه أداة حيوية وفعالة لتخفيف حدة أزمة السيولة النقدية، معتبراً أن التحول الرقمي في المعاملات المالية لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة يومية ملحة للمواطنين في ليبيا. وأشار إلى أن المصارف الليبية تقدم حالياً مجموعة واسعة من وسائل الدفع الإلكتروني المتطورة، بما في ذلك البطاقات المحلية، وخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، والرموز الرقمية، وقد شهد حجم المعاملات الإلكترونية نمواً كبيراً وملموساً، مما ساهم في تخفيف الأعباء والتحديات اليومية التي يواجهها المواطنون.

رهان المصرف المركزي على شهادات استثمارية

في مسعى موازٍ لدعم الاستقرار النقدي، كشف الفارسي عن خطط المصرف المركزي لإطلاق شهادات مضاربة استثمارية، والتي تتماشى مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وتقدم عائداً تنافسياً يصل إلى 6%، وذلك بهدف تحفيز المواطنين على إعادة أموالهم المتداولة خارج النظام المصرفي إلى القنوات الرسمية. وأوضح أن هذه المبادرة، ورغم أهميتها، تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تفوق الأرباح التي يمكن تحقيقها من المضاربة في العملات الأجنبية في السوق الموازية، مشيراً إلى أن نجاح هذه الأداة الجديدة يعتمد بشكل حاسم على قدرة المصرف المركزي على تقليص الفجوة الهائلة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية.

المبادرةالعائد المتوقع / الهدفالتحدي الرئيسي
إطلاق شهادات مضاربة استثماريةعائد يصل إلى 6% (متوافقة مع الشريعة الإسلامية)، تشجيع إعادة الأموال للمصارف.تفوق أرباح المضاربة في العملة الأجنبية، وضرورة تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي لضمان النجاح.

العائق الأكبر: الانقسام السياسي وهيمنة السياسة المالية

واستطرد عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي موضحاً أن الانقسام السياسي والمؤسسي القائم يحد بشكل كبير من قدرة السياسة النقدية على تحقيق أهدافها، خاصة في ظل استمرار الإنفاق العام غير المنضبط، وهيمنة السياسة المالية، وغياب التنسيق الفعال مع السياسات التجارية الأخرى. وألمح إلى أن المصرف المركزي بذل جهوداً حثيثة للحد من هذه الضغوط، وذلك من خلال محاولة توحيد بعض بنود الإنفاق، لا سيما بند التنمية، بهدف تجنب أي تخفيض جديد لقيمة العملة المحلية، أو استنزاف المزيد من الاحتياطيات الأجنبية الحيوية.

حماية الدينار الليبي: رؤية خلال عامين

في تقييمه لقدرة المصرف المركزي على حماية قيمة الدينار الليبي خلال العامين المقبلين، شدد الفارسي على أن السياسة النقدية وحدها لا يمكنها تحقيق الاستقرار المنشود، مؤكداً أن ضبط مسار الاقتصاد الكلي يتطلب تنسيقاً شاملاً وفعالاً بين السياسات المالية والتجارية، بالإضافة إلى ضرورة ضبط الإنفاق العام، وترشيد عمليات الاستيراد، وتكثيف جهود مكافحة التهريب بكافة أشكاله. واختتم الفارسي تأكيده بأن المصرف المركزي قد أثبت جدارته كأهم مؤسسة اقتصادية فاعلة ومؤثرة في المشهد الليبي الراهن، وأنه مستمر في تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى صون استقرار الدينار، بالرغم من التحديات السياسية والاقتصادية المعقدة، معتبراً أن توحيد المؤسسات الحكومية، وإحكام السيطرة على المالية العامة، سيمنحان الاقتصاد الليبي فرصة ذهبية وحقيقية للانتعاش والتعافي المستدام.