«ميثاق على المحك» الضمان الاجتماعي يواجه تحديات مفصلية تختبر صميم العقد بين الدولة والمواطن #عاجل

«ميثاق على المحك» الضمان الاجتماعي يواجه تحديات مفصلية تختبر صميم العقد بين الدولة والمواطن #عاجل

كتب –  زياد فرحان المجالي

لا تتشابه القوانين في أهميتها أو تأثيرها، فبينما تُعنى بعض التشريعات بتنظيم التفاصيل أو ضبط الإجراءات، تمس أخرى صميم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، يُعد قانون الضمان الاجتماعي أحد هذه القوانين المحورية، فهو ليس مجرد نص تشريعي، بل يمثل تجسيدًا فعليًا للعقد الاجتماعي القائم على مبدأ أساسي: يلتزم المواطن بالعمل والمساهمة، وتلتزم الدولة بحمايته وتوفير الأمان له في مراحل الشيخوخة والعجز.

جوهر الجدل حول تعديلات الضمان الاجتماعي

إن الجدل الحالي حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي يتجاوز مجرد الأرقام المتعلقة بسن التقاعد أو عدد الاشتراكات المطلوبة، فالقضية أعمق بكثير من ذلك، نحن أمام سؤال محوري يحدد هوية الدولة التي نطمح إليها، هل نريد دولة اجتماعية تضمن حقوق المواطنين في الضمان كحق مصون وغير قابل للمساومة، أم دولة مالية تتعامل مع صناديق الادخار كأدوات بحتة لإدارة العجز المالي؟

الجذور التاريخية لمفهوم الضمان الاجتماعي

لم تتولد فكرة الضمان الاجتماعي من فراغ، بل لها جذور تاريخية عميقة، فقد بدأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، عندما أدركت الدول الصناعية أن الاستقرار السياسي والاجتماعي لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها، وإنما يتطلب بناء منظومة شاملة لحماية الفئات العاملة، وبعد الحرب العالمية الثانية، تعزز هذا المفهوم ضمن إطار “دولة الرفاه”، ليصبح الضمان الاجتماعي ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية وليس مجرد أداة مالية.

الضمان الاجتماعي في الأردن: حق مكتسب ومدخرات العمر

رغم محدودية موارده، تبنى الأردن مفهوم الضمان الاجتماعي في وقت مبكر، فمؤسسة الضمان لم تكن أبدًا منحة حكومية أو تفضلًا، بل هي نتاج اقتطاعات شهرية منتظمة من رواتب العمال والموظفين، هذه الأموال ليست ضرائب تُجبى، بل هي مدخرات شخصية تراكمت على مدار سنوات طويلة من العمل الشاق، ولذلك، فإن أي مساس بها أو تغيير في شروطها يثير حساسية مشروعة لدى المواطنين، لأنها تمثل جهد وتعب العمر.

التحديات الاقتصادية وضرورة الإصلاح العادل

لا يمكن لأحد أن ينكر حقيقة التحديات الاقتصادية الراهنة التي يواجهها الأردن، فالمديونية في تزايد، والنمو الاقتصادي بطيء، وسوق العمل يعاني من ضغوط جمة، إضافة إلى ذلك، تفرض التغيرات الديموغرافية ضرورة مراجعة أنظمة التقاعد لضمان استدامتها على المدى الطويل، لكن يجب التأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالنتائج المالية أو الأرقام المجردة، بل بمدى عدالته، وشفافيته، وأثره الإيجابي على حياة الناس.

بين الدولة الاجتماعية والدولة المالية: صراع الأولويات

في نموذج الدولة الاجتماعية، تُعطى الأولوية للعدالة والحقوق على الحسابات المالية البحتة، بينما في نموذج الدولة المالية، تتقدم المعادلات الرقمية والجدوى الاقتصادية على الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية، يقف الأردن اليوم عند مفترق طرق بين هذين النموذجين، وإذا ما طغت العقلية المحاسبية المجردة على عملية صنع القرار، فإننا نخاطر بشكل كبير بإضعاف آخر مظلة أمان وحماية للطبقة الوسطى والفئات العاملة في المجتمع.

تأثير التعديلات المقترحة على حياة المواطنين

إن قرارات مثل رفع سن التقاعد، أو زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة، أو تعديل شروط الاستحقاق، ليست مجرد إجراءات تقنية بحتة، بل هي قرارات تؤثر بشكل مباشر وعميق على حياة الناس ومستقبلهم، فعندما يُطلب من المواطن أن يعمل لثلاثة عقود متواصلة ليتمكن من استحقاق تقاعد مبكر، في ظل سوق عمل يعاني بالأساس من عدم الاستقرار والتحديات، فإنه يصبح من حقه المشروع أن يتساءل: هل نسعى للحفاظ على جوهر وروح قانون الضمان الاجتماعي، أم أننا نفرغه من مضمونه وأهدافه الأساسية؟

أهمية الثقة في منظومة الضمان الاجتماعي

تُعد الثقة هي الركيزة الأساسية في العلاقة بين المواطن والدولة ضمن منظومة الضمان الاجتماعي، فالمواطن الذي يقتطع جزءًا من راتبه شهريًا يفعله إيمانًا منه بأن الدولة ستحميه وتوفر له الأمان في المستقبل، وإذا ما شعر المواطن بأن هذه المعادلة قد اهتلت أو تغيرت، فإن الخلل لن يقتصر على الجانب المالي وحده، بل سيمتد ليشمل الجوانب الاجتماعية والنفسية، مما يؤثر على النسيج المجتمعي بأكمله.

مقومات الإصلاح الشامل: الشفافية والحوار

إن الإصلاح الحقيقي والشامل يبدأ بالشفافية الكاملة وغير المنقوصة، وذلك يتطلب نشر البيانات الدقيقة والمفصلة حول الوضع المالي والاستثماري لصندوق الضمان، وتوضيح العوائد والمخاطر المحتملة بشفافية تامة، كما يستلزم فتح نقاش وطني جاد وحقيقي يشارك فيه الخبراء المستقلون، والنقابات العمالية، وممثلو المشتركين، فالإصلاح الفعال لا يُفرض من أعلى إلى أسفل، بل يُبنى على أساس التوافق والتشاور بين جميع الأطراف المعنية.

قوة الدولة في التزامها بالعقد الاجتماعي

الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على موازنة أرقامها المالية فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على عقدها الاجتماعي مع مواطنيها، ويُعد الضمان الاجتماعي القلب النابض لهذا العقد، كونه يمثل تعهدًا أخلاقيًا عميقًا قبل أن يكون مجرد التزام قانوني، ويجسد مدى التزام الدولة تجاه حماية مواطنيها وتوفير الأمان لهم.

التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية

يحتاج الأردن، بلا شك، إلى دولة مالية منضبطة وفاعلة، لكنه في الوقت ذاته، يحتاج وبشكل أكبر إلى دولة اجتماعية قائمة على العدالة والإنصاف، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين هذين النموذجين، بل في تحقيق التوازن الدقيق بين الاستدامة المالية لصناديق الضمان والعدالة الاجتماعية للمواطنين، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تحميل الأجيال العاملة اليوم كلفة اختلالات سابقة أو إهدار حقوق مكتسبة تحت مسمى الإصلاح والتطوير.

الضمان الاجتماعي: صمام أمان ومقياس للثقة

إن الضمان الاجتماعي ليس امتيازًا يُمنح، ولا ترفًا يمكن الاستغناء عنه، ولا مجرد صندوق احتياطي للمال العام، بل هو صمام أمان اقتصادي واجتماعي حيوي، ومقياس جوهري لثقة المواطن بدولته ومؤسساتها، وأي تعديل يُقترح عليه يجب أن يكون هدفه الأساسي تعزيز هذه الثقة وتوطيدها، وليس زعزعتها أو إضعافها بأي شكل من الأشكال.

الضمان الاجتماعي: اختبار العدالة ومرآة الدولة

لم يعد ملف الضمان الاجتماعي اليوم مجرد قضية مالية بحتة، بل هو ملف أخلاقي وسياسي بامتياز، لأنه يمثل الاختبار الحقيقي لمدى إيمان الدولة بمبادئ العدالة الاجتماعية والتزامها بها، فالمواطن الأردني لا يطالب بامتيازات خاصة، بل يطلب ضمانًا أكيدًا بأن جهده وتعب عمره لن يتبددا ليتحولا إلى مجرد رقم في دفتر محاسبة، فالأردن لا يحتمل اهتزاز الثقة بين الدولة والمواطن في هذه المرحلة الحساسة، وإذا كان الإصلاح ضرورة ملحة، فليكن إصلاحًا شاملاً يبدأ بتعزيز الحوكمة الرشيدة، والشفافية الكاملة، والمساءلة الفعالة، بدلاً من تحميل المشتركين العبء الأكبر، فالضمان الاجتماعي ليس مجرد قانون عابر، بل هو مرآة تعكس صورة الدولة أمام شعبها وتجسد مدى وفائها بمسؤولياتها تجاههم.