
تزامناً مع إعلان نتائج شهادة التعليم المتوسط، والتي كان من المفترض أن يتقدم لها هذا العام، نشرت السيدة بشيرة ميلودي، والدة الطفل الجزائري ياسر المختطف منذ سنوات، رسالة مؤثرة عبر صفحتها على فيسبوك. بكلمات تفيض حزناً وأملاً، تساءلت الأم المكلومة: “هل اجتزت شهادة التعليم المتوسط؟ هل نجحت؟ لك ولي الله يا قرة العين وحبة الفؤاد… أيها الخاطف، أثقلت قلبي بالهموم”.
دعاء أمٍّ مكلومة وقلبٍ ينزف
تضرعت الأم المكلومة إلى الله بقلبٍ مفعم بالأسى والرغبة في القصاص العادل، قائلة: “ربي اجعلني ممن يحمل حجراً مشتعلاً لهيبه يذيب الصخور لأضعه يوم العهد والقصاص على صدره، فأثقله كما أثقلني في عيشي ومعيشتي، ربي يا من أفرّ إليه في عجزي وكربتي”. وتابعت دعاءها الموجع: “اجعلني ممن يحمل جمراً فأصبه في عيونه كما أحرقت دموع الفراق عيوني… يا مغيث يا منتقم… أمهلني وأمهله ليوم معلوم”. ثم وجهت السيدة بشيرة رسالة مباشرة لخاطف ابنها، تحمل في طياتها مزيجاً من الألم والوعيد الإلهي: “معليش… عذبتني في الدنيا… جعلني الله عذابك يوم الحساب”.
تفاصيل حادثة الاختطاف الأليمة
على الرغم من مرور سنوات طويلة على اختفاء الطفل ياسر، لا تزال تفاصيل تلك الواقعة الأليمة محفورة في ذاكرة الجزائريين، حين اختُطف طفل لم يتجاوز عامه الثاني، وهو ما يزال في مرحلة الفطام. وقعت هذه الحادثة المفجعة، التي أثارت غضب وسخط الرأي العام، في الثامن من جوان عام 2012، تحديداً ببرج الكيفان. كانت السيدة بشيرة ميلودي، والدة ياسر، تحضر جنازة عمها، وحينها طلبت من ابنها الصغير أن يبقى في مكانه ريثما تنتهي من تغيير حفاضات شقيقه الأصغر. في لحظة مؤلمة، استدارت الأم لتجد أن طفلها الصغير قد اختفى تماماً، تاركاً خلفه صدى كلماته الأولى “أحبك ماما” التي لم تبرح قلبها، وحبة خوخ كان قد حملها بيده قبل أن يخرج من المنزل دون عودة حتى اليوم. تواصلت السيدة بشيرة فوراً مع زوجها للاستفسار عن ياسر، لتصدم بالإجابة بأنه ليس معه، عندها أدركت أن ابنها قد اختُطف، وهو إحساس قاتل كان يراود قلبها منذ البداية.
صمود الأمّ وأمل البحث المستمر
على الرغم من الألم العميق الذي لا تزال تكابده السيدة ميلودي، إلا أنها تظل نموذجاً للمرأة القوية ذات القلب الكبير، وملهمة لعشرات الآلاف من المتابعين عبر منصات التواصل الاجتماعي، متمسكة بأمل العثور على ياسر ذات يوم. هذا الإحساس القوي الذي يراودها يدفعها لتعقب أي بارقة أمل، مهما كانت بعيدة أو قريبة، ففي العام الماضي، عندما أُبلغت بوجود طفل قد تتطابق مواصفاته مع ابنها في إحدى ولايات الوطن، سارعت العائلة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وإجراء تحليل الحمض النووي، لكن النتائج أثبتت أن ذلك الطفل ليس ياسر. ورغم دموع الحزن والأسى التي ذرفتها الأم، لم تُفلت خيوط الرجاء من يديها، بل ظلت عازمة على مواصلة البحث حتى تجد ابنها، وهذا الأمل يشاركه جميع الجزائريين الذين تأثروا بقصتها الحزينة.
جهود مجتمعية متواصلة وأمل متجدد
في ظل غياب أي صورة حديثة لياسر، حيث لم يترك خلفه سوى صوره وهو طفل صغير، اجتهد نشطاء على فيسبوك في رسم صورة تقريبية له وهو في الثانية عشرة من عمره، أملاً في أن تساعد هذه الصورة التخيلية في العثور عليه، أو أن تمكنه من التعرف على قصته الحقيقية وملامحه المُتخيلة، وهو ما يرجوه ويتمنّاه الجميع. قضية الطفل ياسر لا تزال حية في قلوب الجزائريين، تذكّر بضرورة تضافر الجهود لإنهاء معاناة عائلته، وإعادة البسمة إلى وجه هذه الأم الصابرة.
