«نهاية الحصرية» المنازل الذكية: من حلم الأثرياء إلى واقع يومي للطبقة المتوسطة

«نهاية الحصرية» المنازل الذكية: من حلم الأثرياء إلى واقع يومي للطبقة المتوسطة

تحول مفهوم “المنزل الذكي” هذا العام بشكل جذري، فبدلًا من استحضار صور القصور الفاخرة المليئة بالشاشات المعقدة، أصبح يمثل المسكن البسيط والفعّال الذي يساهم في توفير المال، حماية البيئة، وتقديم الرعاية لكبار السن، ولقد شهدت الأنظمة المنزلية نقطة تحول حاسمة حيث انتقلت من كونها كماليات حصرية للأثرياء إلى بنية تحتية أساسية متاحة لمختلف شرائح المجتمع، مدفوعة بانهيار حواجز التكلفة، ونضوج معايير التوافقية، ودخول الذكاء الاصطناعي التوليدي كـ”خادم مطيع” لا يتطلب خبرة تقنية.

لسنوات عديدة، كان بناء منزل ذكي أشبه بتجميع قطع أحجية من علب متنوعة لا تتوافق مع بعضها، لكن اليوم، بفضل الإصدار الجديد من بروتوكول الربط الموحد للمنازل الذكية “ماتر 1.4” (Matter 1.4)، انتهت هذه الفوضى تمامًا، ويعمل ماتر 1.4 على تعزيز الربط بين المنصات المختلفة، ويدعم فئات جديدة من الأجهزة مثل الموزعات (الراوتر) وموسعات الشبكة، مما يوفر تجربة متكاملة وسلسة، فبعد أن كان المستخدم يواجه “حرب الأنظمة” حيث لا تتوافق أجهزة أبل مع غوغل أو أمازون بسهولة، أصبح بإمكانه الآن بفضل هذا البروتوكول المفتوح، شراء أي مصباح ذكي أو قفل إلكتروني وتشغيله فورًا عبر أي منصة يفضلها، بغض النظر عن الشركة المصنعة، وهذا المستوى الجديد من التوافق أحدث “تأثير كرة الثلج”، فزادت المنافسة بين الشركات المصنعة بشكل ملحوظ، مما أدى إلى انخفاض الأسعار. وتشير إحصاءات السوق في بداية هذا العام إلى أن أكثر من 78% من مشتري المنازل الجدد يعتبرون “الأنظمة الذكية المدمجة” شرطًا أساسيًا قبل الشراء.

الفترةمستوى الأسعار (تقريبي)
قبل 3 سنواتالأسعار الأصلية (100%)
الآنانخفاض يصل إلى 40%

الذكاء الاصطناعي كـ”مدير مالي”

في ظل الارتفاع العالمي المستمر في تكاليف الطاقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي المنزلي مجرد وسيلة للراحة، بل تحول إلى أداة اقتصادية حاسمة، حيث أصبحت أنظمة إدارة الطاقة الذكية (Smart Energy Management) قادرة الآن على تحقيق وفورات كبيرة، هذه الأنظمة تستخدم “الذكاء الاصطناعي التنبؤي” (Predictive AI) الذي يتعلم أنماط روتين أفراد الأسرة بذكاء، فيقوم بإطفاء التكييف تلقائيًا في الغرف الخالية، ويحسن استهلاك الإضاءة بالاستفادة من ضوء الشمس الطبيعي، بل ويقوم بتشغيل الأجهزة ذات الاستهلاك العالي للطاقة، مثل غسالات الصحون، في الأوقات التي تكون فيها تسعيرة الكهرباء في أدنى مستوياتها (Off-peak hours)، مما يساهم بشكل فعال في ترشيد الاستهلاك.

المجالنسبة التوفير المتوقعة
فواتير الكهرباءمن 20% إلى 30%

الأمان لكبار السن

من أبرز الجوانب الإنسانية في تطور البيوت الذكية هو دورها في دعم مفهوم “الشيخوخة في المكان” (Aging in Place)، فبفضل هذه التقنيات، لم تعد الكاميرات مجرد أدوات للمراقبة والتجسس، بل تحولت إلى أجهزة استشعار متطورة “تحفظ الخصوصية” وتراقب السلامة الصحية بكفاءة، وتستخدم المنازل الذكية حاليًا حساسات رادار دقيقة من نوع “إم إم ويف” (MM-Wave) يمكنها اكتشاف سقوط شخص مسن على الأرض دون الحاجة لتصويره، خاصة في أماكن حساسة كالحمام، لضمان أعلى مستويات الخصوصية، وعند وقوع مثل هذا الحدث، يقوم النظام بالاتصال الفوري بالطوارئ وإرسال تنبيه عاجل للأبناء، علاوة على ذلك، تتوفر الآن “خزائن أدوية ذكية” تُفتح فقط في المواعيد المحددة للجرعات مع إصدار تنبيه صوتي، وإذا لم يتم فتحها، ترسل رسالة فورية لمقدم الرعاية، مما يضمن التزام كبار السن بخطط علاجهم.

لقد صُمم هذا الجيل الجديد من الأجهزة، الذي يعتمد على تقنيات مثل “ثريد” (Thread) و”واي فاي 6 إي” (Wi-Fi 6E)، ليستهلك طاقة ضئيلة جدًا، فيعمل ببطاريات تدوم لسنوات أو عبر الشحن اللاسلكي “عبر الهواء”، مما يجعله سهل التركيب والاستخدام على حد سواء، فأصبحت معظم الحلول الذكية تندرج الآن تحت فئة DIY (افعلها بنفسك)، حيث يمكن لأي شخص غير متخصص تحويل منزله التقليدي إلى منزل ذكي في غضون ساعات قليلة، باستخدام لاصق بسيط وتطبيق على الهاتف الذكي، وهذا ما جذب فئة المستأجرين الذين كانوا يستبعدون هذه التقنيات سابقًا لعدم قدرتهم على إجراء تغييرات إنشائية في العقارات المؤجرة، وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذه التقنيات، لا يزال القلق بشأن الخصوصية قائمًا لدى البعض، لذا بدأت شركات رائدة مثل سامسونغ (Samsung) وآبل في دمج تقنيات “المعالجة المحلية” (Local Processing)، حيث يتم تحليل بيانات الكاميرات والأوامر الصوتية داخل الجهاز نفسه وليس في “السحابة”، مما يقلل بشكل كبير من مخاطر الاختراق وتسريب البيانات الشخصية، ويوفر طبقة إضافية من الأمان والاطمئنان للمستخدمين.

ختامًا، يعكس تحول المنزل الذكي إلى ضرورة حياتية تغيرًا عميقًا في العقلية البشرية، فلم يعد الهدف الأسمى هو البحث عن “الإبهار” والترف، بل أصبح التركيز ينصب على “الاستدامة” والكفاءة، ويؤكد المراقبون أن المنازل الذكية والتقنيات الحديثة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من شيفرات البناء الحديثة، مما يبشر بمستقبل تكون فيه المنازل شريكة فعالة في الحفاظ على البيئة، وفي الوقت نفسه، دعم ميزانية الأسرة بشكل مستمر.