
إذا كنت قد تصفحت متاجر الهواتف مؤخرًا، فربما لاحظت حقيقة مزعجة: الهواتف الذكية لم تعد كما كانت من حيث السعر، فهاتف الفئة العليا الذي كان يبدأ من 800 دولار أصبح نادرًا، وحلّ مكانه جيل جديد من الأجهزة التي تتجاوز أسعارها حاجز الألف دولار، بينما تقترب نسخ “Ultra” من 1500 دولار عامًا بعد عام.
وعلى الرغم من أن التضخم يُعدّ المتهم الأول في أذهان المستخدمين، فإن الحقيقة أعمق وأكثر تعقيدًا، فخلف شاشات الزجاج وإطارات الألمنيوم، تدور حرب عالمية صامتة على أشباه الموصلات والذاكرة، تقودها الطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحسب تقرير نشره موقع “androidheadlines” واطلعت عليه “العربية Business”.
حرب الذاكرة العالمية
يشهد العالم حاليًا ما يمكن وصفه بـ “أزمة ذاكرة عالمية”، إذ تتجه كميات هائلة من رقائق السيليكون إلى مراكز البيانات العملاقة التابعة لشركات مثل “إنفيديا” و”مايكروسوفت” و”غوغل”، لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وبحسب تقديرات الصناعة، من المتوقع أن يستهلك الذكاء الاصطناعي أكثر من 20% من القدرة الإنتاجية العالمية لذاكرة DRAM بحلول عام 2026، ما يعني ببساطة أن الهواتف الذكية لم تعد أولوية في سلاسل التوريد، والنتيجة هي نقص في المكونات، وارتفاع في التكاليف، وضغوط متزايدة على مصنعي الهواتف.
صعوبة زيادة إنتاج الرقائق
بعكس الصناعات التقليدية، لا يمكن لمصانع الشرائح الإلكترونية زيادة الإنتاج بسرعة، فتصنيع شريحة واحدة يمرّ بما يصل إلى 1400 خطوة معقدة، داخل غرف معقمة بالكامل، باستخدام معدات قد تتجاوز تكلفة الواحدة منها 200 مليون دولار، كما أن بناء مصنع جديد للرقائق يتطلب استثمارات تفوق 10 مليارات دولار، ويستغرق من 3 إلى 5 سنوات حتى يبدأ الإنتاج، وبكلمات أخرى، لا توجد حلول سريعة لهذه الأزمة المعقدة.
الذكاء الاصطناعي يلتهم السوق
الطلب المتزايد على ذاكرة HBM عالية النطاق الترددي، وهي مكون أساسي لمعالجات الذكاء الاصطناعي، زاد من حدة المشكلة، فلكل 1 غيغابايت من هذه الذاكرة، يستهلك إنتاجها ثلاثة أضعاف الموارد مقارنة بذاكرة الهواتف الذكية التقليدية، وبسبب الأرباح الأعلى، تفضّل شركات تصنيع الذاكرة تلبية طلبات شركات الذكاء الاصطناعي، ما يدفع قطاع الهواتف إلى الهامش.
“التقليص التقني” بدل خفض الأسعار
في مواجهة ارتفاع التكاليف، أمام الشركات خياران: رفع الأسعار أو تقليل المواصفات، وهنا يظهر ما يُعرف بـ “التقليص التقني” (Tech Shrinkflation)، حيث يحصل المستخدم على جهاز أقل من حيث العتاد مقابل السعر نفسه، وتشير تقارير إلى أن بعض هواتف الفئة الاقتصادية قد تعود إلى 4 غيغابايت من الذاكرة العشوائية بدل 8 غيغابايت، بينما قد تتوقف الهواتف الرائدة عند 12 غيغابايت بدل الانتقال إلى 16 غيغابايت، وذلك رغم متطلبات الذكاء الاصطناعي المتزايدة.
الفئة المتوسطة في خطر
تُعد الفئة المتوسطة، التي تتراوح أسعار هواتفها بين 400 و600 دولار، الأكثر تضررًا، فهي لا تملك هامش ربح كافيًا لامتصاص التكاليف، ولا تستطيع تقليص المواصفات دون فقدان هويتها وميزتها التنافسية، ونتيجة لذلك، يحذّر محللون من اختفاء الهاتف المتوسط الحقيقي بحلول عام 2027، مع بقاء خيارين فقط للمستهلك: أجهزة رخيصة بمواصفات محدودة، أو هواتف رائدة بأسعار مرتفعة جدًا.
الجغرافيا السياسية تزيد الفاتورة
إلى جانب هذه التحديات، تسهم التحولات الجيوسياسية في رفع التكاليف، فبناء مصانع رقائق في الولايات المتحدة وأوروبا، بدافع الأمن القومي والاعتماد على الذات، يعني تكاليف أعلى بكثير من التصنيع في آسيا، ما قد يضيف زيادة دائمة تتراوح بين 10 و15% على أسعار المكونات العالمية.
نهاية عصر التكنولوجيا الرخيصة
لأكثر من عقدين، اعتاد المستخدمون على تحسن الأداء المستمر وانخفاض الأسعار، وفق ما يُعرف بـ “قانون مور”، لكن خبراء الصناعة يؤكدون أن هذا العصر يقترب من نهايته، على الأقل بالنسبة للمستهلك العادي، وتحذّر مؤسسات بحثية من أن عام 2026 قد يكون نقطة تحول حاسمة، حيث تصبح التكنولوجيا أغلى ليس بسبب زيادة الطلب فحسب، بل بشكل أساسي بسبب قيود العرض.
ماذا يعني هذا للمستخدم؟
إذا كنت تفكر في شراء هاتف ذكي جديد، فقد لا يكون الانتظار خيارًا ذكيًا هذه المرة، فالأجهزة المتوفرة حاليًا قد تبدو صفقة أفضل بكثير مقارنة بما هو قادم في السوق، في ظل توقعات بارتفاع الأسعار وتراجع المواصفات، نحن أمام واقع جديد تعود فيه التكنولوجيا لتكون استثمارًا طويل الأمد، لا منتجًا سريع الاستبدال والاستهلاك، وقد تستقر الأسعار مستقبلًا، لكنها على الأرجح لن تعود أبدًا إلى مستوياتها السابقة.
أرقام وحقائق مهمة
إليكم نظرة على أبرز الأرقام والحقائق التي تشكل المشهد الحالي لسوق الهواتف الذكية وتكاليفها:
| الوصف | البيانات |
|---|---|
| سعر هاتف الفئة العليا (سابقًا) | يبدأ من 800 دولار |
| سعر هاتف الفئة العليا (حاليًا) | يتجاوز 1000 دولار |
| سعر نسخ “Ultra” | تقترب من 1500 دولار |
| نسبة استهلاك الذكاء الاصطناعي لذاكرة DRAM العالمية | أكثر من 20% بحلول 2026 |
| عدد خطوات تصنيع شريحة إلكترونية واحدة | يصل إلى 1400 خطوة |
| تكلفة قطعة واحدة من معدات التصنيع | تتجاوز 200 مليون دولار |
| تكلفة بناء مصنع رقائق جديد | أكثر من 10 مليارات دولار |
| زمن بناء وتشغيل مصنع رقائق جديد | 3 إلى 5 سنوات |
| استهلاك موارد إنتاج 1 غيغابايت من ذاكرة HBM | 3 أضعاف مقارنة بذاكرة الهواتف التقليدية |
| ذاكرة RAM المتوقعة للهواتف الاقتصادية | قد تعود إلى 4 غيغابايت (بدل 8 غيغابايت) |
| ذاكرة RAM المتوقعة للهواتف الرائدة | قد تتوقف عند 12 غيغابايت (بدل 16 غيغابايت) |
| نطاق أسعار الفئة المتوسطة | 400 – 600 دولار |
| الزيادة الدائمة المتوقعة في أسعار المكونات بسبب الجغرافيا السياسية | 10% إلى 15% |
| توقع اختفاء الهاتف المتوسط الحقيقي | بحلول 2027 |
| العام المتوقع كنقطة تحول لارتفاع أسعار التكنولوجيا | 2026 |
