
لم تعد أسواق الأسهم اليوم كما كانت في السابق، فقد شهدت تحولات جذرية، ليس فقط في أحجامها الهائلة، ولكن أيضًا في إيقاعها، حيث أصبحت التقلبات أكثر كثافة، والتعافي أسرع من أي وقت مضى.
على سبيل المثال، شهدنا أسهمًا مثل “تسلا” و”ميتا” تتراجع بشكل كبير ثم تستعيد عافيتها بسرعة، بينما أصبح السوق الأمريكي يشهد تقلبات متكررة مع تصحيحات محدودة تستمر لفترات قصيرة.
هذا التغير لا يعكس مجرد أرقام، بل يعكس تطورًا في نفسية وثقافة المتداولين، حيث لم يعد للخوف العميق الذي كان يطيل أمد الانهيارات مكان في أسواق اليوم.
لكن مع هذا التطور، هل يمكن أن يأتي يوم يربح فيه الجميع؟ أم أن طبيعة الأسواق تفرض دائمًا فائزًا وخاسرًا؟
كيف تغيرت الأسواق؟
– بالنظر إلى السوق الأمريكية كمثال، نجد أنها تظهر تاريخيًا أنماطًا دورية مشابهة، لكن حجم ومدة ارتفاع التقلبات قد تغيرت.
– خلال انهيار أكتوبر عام 1929، المرتبط بالكساد العظيم، بلغ التقلب الفعلي مستوى قياسيًا قدّر بـ 127%، ثم سجل 130% خلال انهيار الإثنين الأسود عام 1987.
– بلغ هذا المؤشر 97% خلال ذروة الأزمة المالية العالمية، فيما قفز مؤشر “فيكس” إلى 80 نقطة من 36 نقطة، ثم بلغ 83 نقطة خلال انهيار جائحة كورونا.
– تشير هذه الأرقام إلى أن الارتفاعات الحادة في التقلبات لا تزال تحدث، لكن الانهيارات الحديثة (2008 و2020) كانت أقصر وأقل حدة نسبيًا، كما تقلصت فترات التعافي في العقود الأخيرة.
– أثناء الكساد العظيم، انخفض مؤشر “داو جونز” على مدار سنوات وفقد نحو 90% من قيمته، ولم يستعد ذروته التي بلغها عام 1929 إلا في نوفمبر 1954.
– بعد الأزمة المالية، لم يستغرق مؤشر “إس آند بي 500” سوى أربع سنوات تقريبًا لاستعادة مستوياته في أكتوبر 2007، فيما كان انهيار الجائحة والتعافي اللاحق أسرع بكثير.
– هذه التقلبات السريعة تضرب بعض الأسهم منفردة أحيانًا، كإسقاط غريب مثل “ميتا” الذي انخفض من قرابة 340 دولارًا إلى ما دون 90 دولارًا ثم عوض جميع خسائره في العام التالي.
– في الماضي، كان انهيار مماثل يعني “حكمًا بالسجن المؤبد” للمستثمر، أما اليوم فقد تغيرت الأمور.
ما وراء هذا التغير؟
– تشير الأبحاث إلى أن الأسواق الحديثة، المدعومة بالتجارة العالمية، أصبحت قادرة على استيعاب الصدمات بشكل أسرع من الماضي.
– في عام 1971، أصبحت “ناسداك” أول بورصة إلكترونية، مما ألغى الحاجة إلى الوسطاء التقليديين.
– اليوم، تُعد جميع البورصات الرئيسة هجينة، حيث يتم تنفيذ الخوارزميات معظم الصفقات، والتي تتفاعل بسرعة مع الأخبار.
– التكنولوجيا والعولمة سرعت من تدفق المعلومات وأسعار الأسهم، مما جعل التداول أكثر تكلفة وشفافية من السابق.
– أسواق الأسهم تشهد أيضًا “أعلى مستوى من التكامل” في التاريخ، ما يعني أن الانهيارات يمكن أن تنتشر بسرعة.
– مثلاً، فعّلت الجهات التنظيمية الأمريكية آليات وقف التداول خلال انهيار مارس 2020.
هل تغير المستثمرون أنفسهم؟
– سرعة انتشار الأخبار وتدفق المعلومات غيّرت سيكولوجية السوق، إذ يساعد التداول عالي التردد وآليات وقف التداول في تقليص فترات الذعر.
– يعود المستثمرون اليوم بشكل أسرع إلى شراء الأسهم التي خسروها، مما يعكس عقلية صقلتها المعرفة المتاحة عبر الإنترنت.
– إن سرعة نقل الأخبار والتكامل العالمي حدّت من المخاوف، وعليه، فإن عمليات التصحيح تترافق مع شعور بالهلع تتحقق خلال أسابيع أو أشهر.
– كما تشير “إنفيسكو”، أفضل الأيام تحدث غالبًا بالقرب من أسوأ الأيام، مما يعكس وعيًا متزايدًا بفرص الانعاش السريع بعد الانهيار.
لماذا لا يربح الجميع إذن؟
– تخيل أن كل مستثمر يفهم “سر التوقيت”، حيث يشتري عند أدنى سعر، ويبيع عند أعلى سعر، ولكن عمليا، إذا حاول الجميع ذلك، فلا بد لأحد أن يبيع عند الانخفاض.
– إذا اعتقد الجميع بنفس الطريقة، لن يوجد أي بائع عند أدنى سعر، مما يجعل الأسعار تتكيف بسرعة وفقًا للمعرفة المتاحة لدى الجميع.
– التداول المتزامن سيؤدي لعدم وجود تقلبات، ولكن ستظهر مفارقات جديدة نتيجة لضغط الشراء والبيع.
هل يحدث ذلك مستقبلًا؟
– إذاً، فإن فكر الجميع في التوقيت الصحيح يمكن أن يؤدي إلى نقص السيولة، وتشوهات سعرية، مما يتسبب في سوق بلا انهيارات.
– على الرغم من ذلك، ستبقى الأسواق بحاجة إلى آراء وصفقات متباينة، حيث إن الخسائر كانت دائمًا تدعم المكاسب.
– يظل سؤال “ماذا لو؟” مفيدًا، ولكن الواقع يشير إلى أن الأسواق تعمل من خلال الخسائر كما تعمل من خلال المكاسب، وهذا هو الذي يدعم النمو طويل الأجل لأسواق رأس المال.
المصادر: أقرأ نيوز 24
