
واشنطن / PNN – تعمل الإدارة الأميركية بهدوء على وضع إطار دولي جديد لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، يعتمد على هيئة سياسية عليا أُطلق عليها اسم “مجلس السلام”، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ووفقًا لمسؤولين مطّلعين، فقد أبلغت واشنطن أطرافًا إقليمية ودولية بأنها حصلت مبدئيًا على موافقات من مصر وقطر والإمارات وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا لمشاركة قادتها في هذا المجلس، والذي من المفترض أن يشرف على المرحلة الانتقالية عقب تثبيت وقف إطلاق النار.
شرعية المجلس وموافقات الدول
ترى الإدارة الأميركية أن إشراك دول عربية محورية، إلى جانب قوى أوروبية وازنة، يمنح خطتها لغزة حدًا أدنى من الغطاء الدولي، ويدفعها للخروج من كونها مبادرة أميركية أحادية إلى مشروع متعدد الأطراف، ومع ذلك، حذّرت مصادر دبلوماسية من المبالغة في تفسير هذه الموافقات، موضحة أن الحضور في “مجلس السلام” لا يعني تلقائيًا التزامًا سياسيًا أو أمنيًا أو ماليًا طويل الأمد من جانب تلك الدول.
توسيع العضوية والشرعية الدولية
على الرغم من ذلك، تراهن واشنطن على أن توسيع عضوية المجلس سيعزّز من شرعيته الدولية ويفتح الأبواب لاحقًا أمام مساهمات ملموسة، سواء عبر التمويل أو التدريب أو حتى المشاركة العسكرية، وفي هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة لاستقطاب شخصيات قيادية إضافية، مثل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في خطوة تعكس رغبة أميركية في إضفاء بعد سياسي إقليمي على المبادرة.
تحفظات الدول والسيناريوهات الميدانية
لكن الرياض، وفق مسؤولين مطّلعين، لا تزال متريّثة وترغب في انتظار وضوح المشهد الميداني في غزة، في ظل استمرار التوترات على خطوط التماس، وإصرار حركة حماس على الاحتفاظ بسلاحها، في وقت تتصاعد فيه عمليات إطلاق النار والضربات الإسرائيلية منذ بدأ الهدنة الهشّة في أكتوبر.
الموقف الإسرائيلي من الدور التركي
في المقابل، يظهر التحفّظ الإسرائيلي بشكل واضح إزاء أي دور تركي في إدارة غزة بعد الحرب، وخصوصاً فيما يتعلّق بـ”قوة الاستقرار الدولية”، التي تخيّلتها الخطة الأميركية كبديل تدريجي لوجود الجيش الإسرائيلي داخل القطاع، ومع ذلك، يتوقع مسؤولون أن تكثّف واشنطن ضغوطها على الحكومة الإسرائيلية لتيسير تسوية تسمح بمشاركة سياسية تركية، حتى بدون وجود عسكري مباشر على الأرض.
تحدّيات تشكيل قوة الاستقرار
تبدو مهمة تشكيل قوة الاستقرار أكثر تعقيدًا من مجرد تأسيس مجلس سياسي، فتلك الدول المرشحة للمشاركة تطالب بتحديد دقيق لتفويض هذه القوة وصلاحياتها، في ظل مخاوف حقيقية من الانزلاق إلى بيئة قتالية مفتوحة، ولهذا الغرض، عُقد مؤتمر للقيادة المركزية الأميركية في الدوحة، حيث تم عرض تصورها لمساهمة الدول، سواء عبر قوات عسكرية، أو عناصر شرطة، أو دعم لوجستي، أو تدريب لأجهزة أمن فلسطينية، أو تمويل.
الأسئلة الجوهرية والمخاوف
ورغم تقديم بعض الإيضاحات بشأن حجم القوة وهيكلتها، لا تزال القضايا الأكثر حساسية، خاصة نزع سلاح حماس، عالقة، فواشنطن، بحسب مصادر مطّلعة، لا تعتزم نشر القوة الدولية في المناطق الخاضعة فعليًا لسيطرة حماس في المرحلة الأولى، بل تفضل تمركزها على خطوط الانسحاب الإسرائيلي، مع الاعتماد على مسار تدريجي لنزع السلاح عبر تفاهمات سياسية لم تنضج بعد.
فجوة بين الطموح والواقع
تظهر الخطة الأميركية لإدارة غزة بعد الحرب فجوة واضحة بين الطموح السياسي والواقع الميداني، فواشنطن تسعى إلى هندسة ترتيبات أمنية وسياسية معقدة دون حسم الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة والسلاح والشرعية الفلسطينية، كما أن الرهان على مشاركة دولية واسعة يبدو هشيماً في ظل غياب رؤية واضحة لكيفية التعامل مع حماس، واستمرار الانتهاكات الميدانية، وبجوهره، قد يتحوّل “مجلس السلام” إلى مظلّة شكلية، إذا لم يُرافق بمسار سياسي فلسطيني جامع، يعالج جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياته الأمنية.
المصدر / جريدة القدس
