
تُثقل الأسعار المرتفعة كاهل اللبنانيين منذ أشهر، حيث أصبحت القدرة الشرائية محدودة، ويشعر الكثيرون بضغوط يومية في تأمين أبسط احتياجاتهم الغذائية، وفي ظل هذه الأزمة الاقتصادية المستمرة، أصبح كل موسم استهلاكي فرصة لتفاقم التحديات على العائلات، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف المواد الأساسية.
### زمن الصوم وضغوط اقتصادية مضاعفة
اليوم يأتي زمن الصوم لدى الطوائف المسيحية والإسلامية، حيث يزداد المصروف اليومي على المائدة بشكل ملحوظ، ويصبح الضغط الاقتصادي على المواطنين مضاعفًا، فالطلب المُتزايد على الخضار والفواكه واللحوم والحلويات يجعل من تنظيم الأسواق وضبط الأسعار أمرًا أكثر أهمية من أي وقت مضى، لضمان قدرة المواطن على الاستمرار في حياته اليومية بدون عبء إضافي.
### مبادرة “سوا بالصيام”
تأتي المبادرات الاقتصادية المشتركة بين الدولة والقطاع الخاص، مثل مبادرة “سوا بالصيام”، لتكون حلًا عمليًا للتخفيف من الضغط على الأسواق والمواطنين، فهذه الخطوات تهدف إلى تأمين السلع الأساسية بأسعار مدروسة، وضمان وفرة المنتجات، ما يعكس إمكانية أن يساهم التنسيق بين الجهات الرسمية والمزارعين والتجار في تخفيف عبء المعيشة خلال فترة الصوم.
### تفاصيل المبادرة
في خطوة تحمل بُعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا في آن، أطلقت وزارة الاقتصاد والتجارة الأسبوع الفائت، مبادرة “سوا بالصيام”، بالتعاون مع نقابة أصحاب السوبرماركت ونقابة مستوردي المواد الغذائية وعدد من النقابات المعنية باللحوم والدواجن والخضار والمطاحن، بهدف تخفيض أسعار 21 سلعة غذائية أساسية خلال شهر رمضان المبارك وزمن الصوم الكبير، و تقضي المبادرة بخفض أسعار سلّة تضم 21 منتجًا من الأكثر استهلاكًا، من بينها الزيوت والسكر والحبوب وسلع أساسية أخرى، بنسبة حسم تبدأ من 15 في المئة وتزيد وفقًا لكل منتج، على أن تُطبَّق في 27 من كبرى السوبرماركت في لبنان وأكثر من 180 نقطة بيع على مختلف الأراضي اللبنانية.
### هدف المبادرة
في هذا الإطار، أوضح مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة د. محمد أبو حيدر لـ “نداء الوطن”، أن “المبادرة تهدف إلى تأمين سلة غذائية متكاملة تضم ما لا يقل عن عشرين سلعة أساسية، على أن يرتفع العدد إلى نحو ثلاثين سلعة، تُوزع عبر أكثر من مئة فرع في مختلف المناطق اللبنانية، وتأتي هذه الخطوة لتلبية احتياجات المائدة خلال شهريْ الصوم، ولا سيما في ظلّ تزامن شهريْ الصوم في الوقت عينه، في إطار تعاون مشترك بين وزارة الاقتصاد والتجارة ونقابة المستوردين ونقابة أصحاب السوبرماركت”.
### دور النقابات
وأشار أبو حيدر إلى أن “نقابة المستوردين عملت على خفض هامش أرباحها، كما بادرت نقابة السوبرماركت إلى تقليص أرباحها، بهدف تمكين المواطنين من الحصول على السلة بأسعار مدروسة ومخفضة، ضمن مبادرة أطلقها وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، بالتنسيق مع القطاع الخاص”.
### الرقابة مستمرة
لكن أبو حيدر جزم بأن “المبادرة هذه لا تلغي الدور الرقابي للوزارة، إذ ستستمر أجهزة الرقابة في متابعة الأسعار على مختلف السلع وفي جميع المناطق اللبنانية، من دون حصر المتابعة بالمنتجات المشمولة بالمبادرة فقط، وذلك حرصًا على حماية المستهلك وضمان الالتزام بالأسعار المعلنة”.
### اجتماع تنسيقي قادم
كما “يُرتقب عقد اجتماع تنسيقي مع وزارة الزراعة لبحث أوضاع الخضار والفاكهة خلال فترة الصوم، بما يسهم في تعزيز الاستقرار السعري وتوفير السلع الأساسية ضمن أطر تنظيمية واضحة”، وفق ما لفت أبو حيدر، وأكد أن “مُراقبي مديرية حماية المستهلك سيقومون بجميع الإجراءات الرقابية اللازمة على كامل الأراضي اللبنانية، وتشديد الرقابة على مختلف القطاعات، لا سيما السلع التي يزداد عليها الطلب خلال شهر الصوم، من الخضار والفاكهة إلى اللحوم والدجاج، وصولًا إلى الحلويات والعصائر”.
### العقوبات المقترحة
كما أكد أن لدى حصول أي مخالفة “سيتم تنظيم محضر ضبط بحق مرتكبيها وإحالتها إلى القضاء المختص”، كما عبّر عن أمله في أن يُبت قريبًا في القانون المقترح من النائب فريد البستاني، بما يجعل العقوبات أكثر ردعًا والغرامات أكثر ارتفاعًا، لوضع حدّ لبعض تجّار الأزمات الذين يستغلون الظروف لرفع أرباحهم بطرق غير مشروعة.
### السوق الزراعية
بالانتقال إلى أسعار الخضار، فحدّث ولا حرج، فالمواطن يلمس ارتفاع الأسعار يومًا بعد يوم، ما يزيد العبء على ميزانية الأسرة ويضاعف الضغوط اليومية، وفي هذا السياق، أشار رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين، إبراهيم الترشيشي لـ “نداء الوطن”، إلى أن “الاستيراد سيستمر خلال الأيام المقبلة، على أن تتضح الصورة بشكل كامل الأسبوع القادم، وخلال الفترة الممتدة من الأسبوع الحالي وحتى نحو العشرين من الشهر، ستدخل كميات إضافية من الخضار إلى السوق لتأمين الوفرة المطلوبة، ولا سيما مع حلول زمن الصوم”.
### توقعات مستقبلية
وأكد أن “الهدف من تمديد مهلة الاستيراد (الروزنامة الزراعية لبضعة أيام إضافية أي حتى 20 من الشهر الحالي) هو منع حصول أي نقص في الأسواق خلال الأيام الأولى من الصيام، حيث يزداد الطلب بشكل ملحوظ، وقد جرى عمليًا منح مهلة تقارب خمسة أيام إضافية لضمان استقرار العرض، كي لا يستغل بعض التجار أي شحّ محتمل لرفع الأسعار”.
### تفاؤل بعيد
طمأن ترشيشي إلى أن “الأسعار لن ترتفع، على عكس الأيام السابقة”، وتوقع أن “يرتفع الإنتاج المحلي تدريجيًا خلال الأسابيع المقبلة، ما سيؤدي إلى تخفيف كبير في حجم الاستيراد، وربما الحدّ منه بشكل واسع إذا استمرت وتيرة الإنتاج بالتحسن، بما يحقق توازنًا بين حماية المزارع اللبناني وتأمين حاجات السوق بأسعار مستقرة”.
### الوصول للاكتفاء الذاتي
وأعرب عن “تفاؤله بالمرحلة المقبلة”، مُشيرًا إلى أن “لبنان مُقبل على زيادة ملحوظة في الإنتاج الوطني، ولا سيما في القطاع الزراعي، مع ارتفاع درجات الحرارة وتحسّن الأحوال الجوية، ما ينعكس غزارةً في المحاصيل مقارنةً بفترة الشتاء حيث كان الطقس يحدّ من نمو الإنتاج كما يجب”.
وفي ختام حديثه، أكد ترشيشي أنّ الهدف هو “الوصول تدريجيًا إلى مستوى متقدّم من الاكتفاء الذاتي خلال الأسابيع المقبلة، بحيث تتراجع الحاجة إلى الاستيراد من الخارج، فتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي لا يُساهم فقط في دعم المزارع اللبناني وتنشيط الدورة الاقتصادية، بل يمنح المستهلك ثقة أكبر بمصدر غذائه، من حيث معايير الزراعة واستعمال الأدوية السليمة والريّ والسلامة، مقارنة بالبضائع المستوردة”.
### أهمية التنسيق
في النتيجة، تبرز أهمية التنسيق بين وزارة الاقتصاد، القطاع الزراعي، والتجار لضمان وفرة السلع الأساسية واستقرار الأسعار خلال موسم الصوم، فبيْن متابعة الأسواق، زيادة الإنتاج المحلي، وضبط الاستيراد، تتبلور خطوات عملية تُخفف من الضغط اليومي على المواطنين وتدعم القدرة الشرائية للأسر اللبنانية.
