«إصلاحات جذرية» آلام اليوم.. أمل الغد المشرق

«إصلاحات جذرية» آلام اليوم.. أمل الغد المشرق

وسط نقاش عام وبرلماني محتدم حول قرار رفع سن التقاعد، تتعدد الآراء بين من يعتبره عبئاً إضافياً على كاهل المواطن، وبين من يرى فيه ضرورة حتمية للحفاظ على استدامة نظام الضمان الاجتماعي والوضع المالي العام، لكن نظرة فاحصة تكشف أن هذا القرار، رغم ما يبدو عليه من قسوة، يحمل في طياته فوائد جمة تعود بالنفع على الحكومة والمؤسسة والمشترك على حد سواء.

مكاسب الدولة: حماية الاستقرار المالي قبل فوات الأوان

بالنسبة للحكومة، فإن رفع سن التقاعد ليس مجرد إجراء سريع، بل هو بمثابة استراتيجية وقائية بعيدة المدى، فالتحدي الأكبر الذي يواجه المالية العامة يكمن في العجز المالي المتراكم في صناديق التقاعد، إن حماية مؤسسة الضمان الاجتماعي من التدهور أو الإفلاس يعني عملياً تجنيب الخزينة العامة تدخلات مستقبلية مكلفة قد تزيد من حجم الدين العام وتزعزع الاستقرار المالي للدولة.

علاوة على ذلك، تبعث هذه الإصلاحات رسائل إيجابية إلى المؤسسات الدولية والمستثمرين، مفادها أن الأردن يتعامل مع التزاماته الاجتماعية بجدية ومسؤولية، وهذا ينعكس إيجاباً على التصنيف الائتماني ويعزز الثقة في الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى ذلك، فإن الإبقاء على الخبرات المتراكمة في سوق العمل حتى سن 65 يساهم في الحد من فقدان المعرفة في القطاعات الحيوية مثل الصحة والهندسة والتعليم العالي.

مؤسسة الضمان: المستفيد الأكبر من الإصلاحات

تعتبر مؤسسة الضمان الاجتماعي المستفيد المباشر من هذه التعديلات، فزيادة سنوات الاشتراك تعني تدفقات نقدية أطول قبل البدء في صرف الرواتب، مما يعزز الوضع المالي للمؤسسة، كما يساهم هذا القرار في الحد من ظاهرة التقاعد المبكر التي كانت على مدار سنوات تستنزف موارد الضمان، حيث يترك المشترك سوق العمل في قمة عطائه ويبدأ في سحب راتب تقاعدي لفترة طويلة.

كما تمنح السنوات الإضافية الذراع الاستثماري للضمان فرصة أكبر لاستثمار الأموال وتحقيق عوائد مستدامة، بدلاً من اللجوء إلى تصفية الأصول لتغطية الالتزامات، مما يعزز استدامة المؤسسة على المدى الطويل.

المواطن: فوائد مستقبلية ذات أهمية جوهرية

على الرغم من أن المواطن هو الأكثر تأثراً بهذا القرار، إلا أن الصورة ليست قاتمة تماماً، فمعادلة احتساب الراتب التقاعدي تعتمد بشكل أساسي على سنوات الخدمة، مما يعني أن العمل لسنوات إضافية يؤدي مباشرة إلى زيادة قيمة الراتب النهائي، والأهم من ذلك، أن هذه التعديلات تمثل ضمانة حقيقية للأجيال الشابة، لكي لا تجد نفسها بعد عقود أمام مؤسسة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها.

كما يوفر البقاء في سوق العمل لفترة أطول استقراراً وظيفياً وتأمينياً، من حيث استمرار الدخل الشهري والتغطيات المتعلقة بإصابات العمل والعجز والوفاة، بالإضافة إلى إمكانية تحسين أوضاع أصحاب الدخل المحدود من خلال رفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية.

في الختام، لا يمكن اختزال رفع سن التقاعد في كونه قراراً مالياً بحتاً، بل هو خطوة إصلاحية تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن ومؤسسة الضمان، على أساس أن الألم المحدود اليوم قد يكون ثمناً ضرورياً لتجنب أزمة أعمق في المستقبل.

إنه عقد اجتماعي جديد، يرجح كفة الاستدامة على حساب الشعبية الآنية، ويؤمن بأن حماية المستقبل تبدأ بقرارات صعبة في الحاضر.

رواتب تقاعدية أفضل اليوم، وضمان لحقوق الأجيال في الغد.

إن رفع سن التقاعد ليس مجرد إجراء مالي تقني، بل هو إعادة صياغة لعقد اجتماعي جديد، عقدٌ تتسلح فيه الحكومة بلغة الأرقام، وتؤمن بأن الإصلاح المؤلم اليوم أقل كلفة بكثير من الانهيار في المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.