
الأنباط –
في قلب المشهد الإداري المعاصر، تتجلى ظاهرة مقلقة تستفز مفاهيم العدالة وتستنزف موارد الأوطان، فبين “حمى الاستشارات” و”بورصة الرواتب” المتضخمة لكبار المسؤولين والمستشارين، يبتلع “ظل” المكاتب الفاخرة جهد “الميدان” الحقيقي، حيث لم تعد الفجوة مجرد تفاوت في الأرقام، بل تحولت إلى هوة عميقة تجعل راتب شهر واحد لمسؤول رفيع أو مستشار يعادل كدّ عامين كاملين لموظف مجتهد يحمل على عاتقه أعباء العمل اليومي وأمانته. هذا التفاوت الصارخ يطرح تساؤلات جدية حول القيم الإدارية والوطنية التي تحكم مؤسساتنا اليوم، ويهدد بتبديد الطاقات وهدر الموارد، مما يستدعي وقفة جادة لإعادة تقييم الأولويات وتصحيح المسار.
خاص الانباط…..
1. تفشي ظاهرة المستشارين: استنزاف دون قيمة مضافة
لقد تجاوز مفهوم الاستشارة التقليدي حدود الحاجة الفنية، ليتحول في عرف الترهل الإداري إلى متوالية لا تنتهي، فلم يعد مستشار واحد يكفي، بل ظهرت بدعة “مستشار المستشارين”، هذه الطبقات الوظيفية الهلامية تتقاضى آلاف الدنانير تحت مسميات براقة، بينما الواقع يشي بالكثير من الحقائق المريرة:
- غياب القيمة الحقيقية: تُصرف رواتب فلكية دون تقديم حلول عملية وفاعلة للأزمات، وغالباً ما ينحصر دورهم في “تجميل” القرارات بدلاً من تصويبها أو تطويرها.
- عقود غير مبررة: تحول العمل الاستشاري من ضرورة فنية نادرة إلى “ملاذ آمن” لرواتب تتجاوز كل الحدود المنطقية، لتصبح عقود الاستشارة أقرب إلى عقود “تنفيع” منها إلى استثمار في الخبرة.
2. مفارقة مؤلمة: أجر سنتين مقابل شهر واحد!
أي منطق إداري أو أخلاقي يمكن أن يبرر حصول شخص واحد على أجر شهر واحد يعادل ما يجمعه موظف كادح – هو بمثابة عصب المؤسسة النابض – في أربعة وعشرين شهراً؟ إنها مفارقة لا يمكن تجاهلها، حيث:
- الموظف التشغيلي: يصارع غلاء المعيشة اليومي وتحديات الميدان بمرتب ثابت بالكاد يكفيه لتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرته.
- نخبة الرواتب: تعيش في رغد من الرواتب الاستثنائية، والبدلات السخية، والمكافآت، بمعزل تام عن الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه غالبية أبناء الوطن والمؤسسة.
3. تداعيات خطيرة: شلل الإدارة وتآكل الولاء
إن وجود طبقة “مستشار المستشار” برواتب استعلائية يخلق خللاً بنيوياً خطيراً يهدد استقرار المؤسسات، فنتائجه تتعدى الجانب المالي لتشمل:
- قتل روح المبادرة: عندما يرى الموظف الكفؤ والمجتهد أن مسار الامتيازات لا يمر عبر الإنجاز الحقيقي في الميدان، بل من خلال المسميات الاستشارية المتضخمة، تتلاشى لديه الحوافز ويضعف شعوره بالانتماء.
- شلل اتخاذ القرار: تعدد المستشارين يؤدي إلى تضارب الرؤى وتشتت الجهود، مما يجعل القرار الإداري بطيئاً ومعقداً، وغالباً ما يكون غير فعال ومكلفاً.
- تبديد الأمانة والموارد: إنفاق السيولة المالية على جيوب هذه الفئة القليلة يحرم المؤسسات من فرص التطوير الحقيقي، والاستثمار في كوادرها الشابة الواعدة، وتحسين بيئة العمل لمن يستحق.
4. رؤية تصحيحية: الإدارة بالكفاءة والنتائج لا بالمسميات
إن تطبيق الحوكمة الرشيدة، وترسيخ الولاء الصادق للوطن، يتطلب جراحة إدارية عاجلة ومراجعة شاملة للسياسات الرواتبية والاستشارية، وذلك من خلال:
- تحديد سقف موحد للرواتب: يجب وضع حد أقصى للرواتب يلتزم به الجميع، فلا يجوز أن يشذ راتب أي مسؤول أو مستشار عن السقف الوطني المحدد، مهما كانت مبررات “الخبرة” أو “الاستثناءات”.
- تفكيك طبقات المستشارين: يجب إلغاء المسميات الوظيفية الفائضة، خاصة “مستشار المستشار”، وربط أي تعاقد استشاري بمخرجات رقمية واضحة، وجداول زمنية محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
- إنصاف الكوادر الوطنية: توجيه الوفورات المالية الناتجة عن تقليص الرواتب المتضخمة نحو تحسين معيشة من يخدمون الوطن بصدق وتفانٍ في الخطوط الأمامية، وتعزيز قدرات الكوادر الشابة.
كلمة أخيرة: القيادة الحقيقية هي تلك التي تستشعر “وجع الميدان” وتحدياته قبل أن تنعم بـ “رفاهية المكاتب”، إن المسؤول أو المستشار الذي يتقاضى في شهر واحد ما يعادل جهد عامين من حياة غيره، مطالبٌ بأن يكون أثره الملموس وإنجازاته بحجم ذلك الفارق الهائل في الأجر، وإلا فإن صمته وتجاهله لهذا الخلل هو أولى خطوات الفشل الإداري، فالأوطان تُبنى بالعدل والمساواة، لا بجيوش من المستشارين وأصحاب الرواتب المتضخمة الذين يفتقرون إلى القيمة المضافة.
حفظ الله الاردن والهاشمين
بقلم الكاتب نضال انور المجالي
