«الأمان الاجتماعي في مهب الريح» تحويشة العمر والضمان: صراع البقاء أمام تعديلات خطرة

«الأمان الاجتماعي في مهب الريح» تحويشة العمر والضمان: صراع البقاء أمام تعديلات خطرة

34 دقيقة ago

بقلم : د. أحمد زياد أبو غنيمة. في خضم الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، التي تضيق معها سبل العيش على المواطن الأردني الصابر، تفاجئنا الحكومة بمشروع تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، وهي تعديلات لا يمكن وصفها إلا بأنها “انقضاض” صريح على المكتسبات التاريخية للعمال والموظفين، ومساس مباشر بآخر قلاع الأمان الاجتماعي في وطننا المفدى. إن ما يُطرح اليوم ليس مجرد “إصلاحات تقنية” كما يروج البعض، بل هو عبء إضافي يثقل كاهل شعبٍ لم يعد يقوى على حمل المزيد.

مديونية الحكومة: لماذا يتحمل المواطن العبء؟

إن الحديث عن “استدامة الصندوق” لا يجوز أن ينطلق من جيب المشترك البسيط، بل يجب أن يبدأ من الحقيقة المرة التي تتجاهلها الحكومات المتعاقبة، وهي أنها مدينة لصندوق الضمان بمبلغ يتجاوز الـ 11 مليار دولار أمريكي. هذه المليارات هي خلاصة عرق جبين الأردنيين ونتيجة كدّ سنواتهم الطويلة، ولم يكن الشعب يومًا شريكًا في القرارات التي أدت إلى استنزاف هذه الأموال أو تراكم مديونية الحكومة تجاه الصندوق. من هنا، يعدُّ من الظلم الصارخ والمنافي لكل قيم العدالة أن يُطالَب المواطن اليوم بسداد فاتورة هذه المديونية، سواء عبر حرمانه من حقه في تقاعد مبكر كريم، أو من خلال رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات التي تنهش ما تبقى من راتبه المتآكل.

سياسة “الجيب الواحد” وإفلاس الحلول الاقتصادية

لقد بات واضحًا أن “الاعتماد الدائم” من الحكومات المتعاقبة على جيب المواطن لإخراجها من ورطاتها الاقتصادية ليس حلًا مستدامًا، بل هو اعتراف صريح بإفلاس العقل الاقتصادي الحكومي. إن الحلول الحقيقية تكمن في تحفيز الاستثمار، وسداد ديون الصندوق المستحقة، ووقف الهدر المستشري، وليس في “تقليص” أحلام الشباب في تقاعد يضمن لهم شيخوخة كريمة. إن الاستمرار في هذا النهج هو دفعٌ متعمد نحو الاحتقان الاجتماعي، وعبثٌ خطير بصمام الأمان الذي حافظ على التوازن والاستقرار المجتمعي لعقود طويلة.

أزمة الثقة ودور ممثلي الشعب

لا بد من الإفصاح عن حقيقة يتردد الكثيرون في نطقها، وهي أن الشعب الأردني اليوم لا يثق بمجلس النواب. فقد أثبتت التجارب المتكررة أن “القبة” التي كان يُفترض أن تكون حصنًا منيعًا للمواطن، غالبًا ما تميل حيث تميل الحكومة عند المحدِدات الحقيقية والقرارات المصيرية. إن فقدان هذه الثقة في المؤسسة التشريعية، على الرغم من وجود نواب يتلمسون نبض الشارع ويقفون بصفه على الدوام، يجعل من تمرير هذه التعديلات عبر البرلمان بمثابة “فرض أمر واقع” يفتقر إلى الشرعية الشعبية والرضا المجتمعي، ويزيد من فجوة الاغتراب بين المواطن ومؤسساته الوطنية.

دعوة للحكمة ونزع فتيل الاحتقان

إننا، ومن منطلق الحرص الشديد على أمن واستقرار هذا الوطن الغالي، ندعو وبكل وضوح الحكومة إلى سحب مشروع القانون المعدل فورًا. إن المطلوب اليوم هو “وقفة مراجعة” شاملة، تبحث عن حلول جذرية لتحديات الاستدامة، بعيدًا عن جيوب الكادحين، وتُشرك الخبراء والمختصين في حوار وطني شفاف يضع النقاط على الحروف، ويقدم حلولًا واقعية. إن الإصرار على فرض هذه التعديلات في ظل الظروف الراهنة هو بمثابة “فتيل” قد يشعل نارًا من الغضب الشعبي، الذي لا نتمناه لوطننا أن يكتوي بلهيبها.

النداء الأخير: إلى سدّة العرش الهاشمي

وعليه، وبعد أن خبرنا أن الحكومات قلما تتراجع من تلقاء نفسها عن مشاريع قوانينها التي تؤثر على مستقبل الأردنيين، وبعد أن صمّت الحكومات المتعاقبة آذانها فانقطعت السبل بالتواصل مع مسؤولين لا يسمعون إلا صدى أصواتهم، وبرلمانٍ غاب في معظمه عن هموم ناخبيه، فإن آمال الأردنيين اليوم معقودة على جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين. إننا نتطلع إلى تدخل ملكي سامٍ يضع حدًا لهذا التغول الحكومي، ويعيد ضبط الإيقاع بما يضمن حقوق الأجيال ويحفظ كرامة المتقاعدين. إن جلالة الملك، وهو القريب دوماً من نبض شعبه وآلامهم، هو الملاذ الأخير لنزع فتيل هذه الأزمة، وإعادة الأمور إلى نصابها، حمايةً للأمن الاجتماعي والاقتصادي، وصونًا للأردن من مغامرات اقتصادية غير محسومة العواقب.

خاتمة ودعاء

فيا ربّ هذا الوطن، ويا سامع الصوت ومجيب الدعاء، اللهم إنا نستودعك أردننا، أرضًا وشعبًا، من كل مكرٍ يُحاك لأرزاق الناس، ومن كل تغوّلٍ يمس كرامة الكادحين. اللهم اكفِ شعبنا شرّ الضيق والفاقة، وألهم ولاة أمرنا الرشاد والحكمة للوقوف في وجه كل باطل يمسّ “تحويشة العمر” وقوت العيال. اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً، واحفظه من كيد العابثين بمقدراته، ومن سوء تدبير المتربصين باستقراره. اللهم انصر الحق وأهله، ووفق جلالة الملك لما فيه خير البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير. حفظ الله الأردن الغالي، قيادةً وشعبًا، من كل شر ومكروه، آمين يا رب العالمين.