
“أقرأ نيوز 24” – باسمة عطوي
ليست الأجواء المناخية وحدها ما حال دون تظاهرات الشارع بشكل ضاغط وفعّال يوم الخميس، كما كان متوقعًا، احتجاجًا على القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بزيادة الضرائب على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) إلى 12 بالمئة، صحيح أن هذه الخطوة أثارت استياءً عميقًا بين اللبنانيين في ظل غلاء المعيشة المُستفحَل وازدياد صعوبة القدرة الشرائية، لكن الأسباب وراء تأجيل الحركة الاحتجاجية أكثر تعقيدًا، فقد بدأت ملامحها منذ تسعينات القرن الماضي، حيث نجحت السلطة السياسية في تدمير هيكلة النقابات التي تُشكّل عبئًا عليها، وإعادة تشكيلها من موالين يستمرون في التحرك بشكل صوري، وتم تدجينهم للقبول بالحلول الترقيعية التي تفرضها السلطة، فيتم الأخذ بها دون اعتراض حقيقي.
صحيح أن التاريخ يُخبرنا بأن أسرع الطرق لاندلاع ثورة شعب هي أن تُعامل السلطة معه وكأنه “بقرة حلوب”، كما ذكر النائب جميل السيد، مُتوقعًا أن الانفجار الشعبي لم يعد بعيدًا، في ظل دولة لا تُوفر لمواطنيها ماءً أو كهرباءً أو طرقات أو فرص عمل، ولا حتى خدمات إدارية تحترم حاجاتهم وكرامتهم، لكن في لبنان، لا يُعتبر هذا المسار حتميًا لأسباب عدّة، منها:
أولًا: سياسة “فرّق تسد”
أثبتت السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود تفوقها في تطبيق سياسة “فرّق تسد” مع النقابات العمالية، وأقرب مثال على ذلك هو “إلغاء تحرّك الخميس”، ففي الوقت الذي عجزت فيه عن إرضاء موظفي الإدارة العامة ومتقاعدي الأسلاك العسكرية بشأن الزيادات على رواتبهم، نجحت في خلق صراعات بين النقابات، من خلال منح تعويض لسائقي السيارات العمومية الشرعية العاملة على البنزين بمبلغ 12 مليون ليرة لبنانية شهريًا، بشرط إبقاء التعرفة الحالية للنقل، مما أدى إلى تعليق حركة الاحتجاج المُقرّرة، تلا ذلك إصدار موظفي الإدارة العامة والمتقاعدين بيانًا شديد اللهجة تجاه السلطة السياسية، التي استطاعت إيجاد مصادر تمويل لتعويضات السائقين وحرمتهم منها، وهذا يدل على نجاح السلطة المتواصل في إضعاف التنسيق بين النقابات عبر تغذية انقسامات بينها.
ثانيًا: ضعف القاعدة الاجتماعية للنقابات
تمكّنت السلطة من إضعاف قاعدة النقابات الاجتماعية، فأزمة الاقتصاد منذ 2019، وخصوصًا بعد انتفاضة احتجاجات 17 تشرين، أدت إلى انهيار قيمة الأجور، وهجرة العديد من العمال، وتوسّع الاقتصاد غير النظامي، مما صعّب عملية تنظيم العمال نقابيًا، وقد جعل هذا الوضع القدرة على الحشد أضعف مقارنة بما كانت عليه في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية.
ثالثًا: تسييس المطالب المعيشية
على الرغم من أن معظم الشعب اللبناني تأثر بتداعيات الانهيار المالي منذ عام 2019، ويعاني من معاناة معيشية مستمرة بدون أفق للحلول، قد جرى تسييس المطالب المعيشية بدل أن تكون موحدة بطابع اجتماعي طبقي، وتم ربطها بالاستقطاب السياسي، مما أفقدها بعدها الجامع، خصوصًا في نظام يعتمد على المحاصصة الطائفية.
رابعًا: تداعيات تحرك 17 تشرين
نجح تحرك 17 تشرين 2019 المطلبي ليكون نموذجًا متقدمًا جدًا مقارنة بجميع الحركات السابقة، خاصةً بعد انفجار 4 آب، وأحدث ردود فعل إيجابية في المجتمع تعبر عن رغبة المواطنين في العدالة الاجتماعية، متجاوزًا الطائفية وسيطرة الزعماء والمال، لكن هذه الدينامية شهدت انقلابًا كبيرًا عليها تدريجيًا، وخاصةً بعد العدوان الإسرائيلي في أيلول 2024، وأصبحت الدينامية الحالية مضروبة بالكامل، وعدنا إلى حالة تهميش لكل القضايا المهمة، محصورة في موضوع واحد فقط، وهو السلاح والموقف من إسرائيل، مما أدى مرة أخرى إلى إعاقة أي تقدم في مسارات الإصلاح المالي والاجتماعي والاقتصادي المطلوبة، والصراع لا يزال محتدمًا على هذا الشأن.
بمعنى آخر، حوصرت الدينامية الاجتماعية التي انطلقت بعد 17 تشرين، والتي تجاوزت الطائفية، ثم ضُربت وأُضعفت، وحلّت مكانها ديناميات تفتيتية في المجتمع اللبناني، وأيضًا ديناميات معطلة للدولة، مما حال دون قدرتها على تجاوز الأزمة في بعدها الشامل، وليس المرتبط فقط بالعدوان الإسرائيلي.
