
المصدر: النهار
الكاتب: موناليزا فريحة
شهدت إيران مؤخرًا موجة احتجاجات واسعة النطاق، اندلعت شرارتها مع الارتفاع الحاد في سعر صرف الدولار الأمريكي، والذي يمكن وصفه بشكل أدق بالانهيار المفاجئ للعملة الوطنية. بدأت هذه التحركات في البازارات والمراكز التجارية، حيث أعلن التجار إضرابهم وأغلقوا محالهم، وسرعان ما امتدت إلى أرجاء مختلفة من البلاد، لتشمل مدنًا لطالما اعتبرت معاقل تقليدية للنظام الديني، بالإضافة إلى أحياء في العاصمة طهران ومدن كبرى أخرى.
أسباب عميقة وراء الغضب الشعبي
يتضح جليًا أن قضية العملة لم تكن سوى محفزًا أوليًا، بينما تكمن الأسباب الحقيقية لاندلاع هذه الاحتجاجات في عقود من سوء الحوكمة على جميع المستويات. في هذا السياق، استعرض الناشط الإيراني (أ. س.)، الذي تحدث لـ”النهار” من طهران مشترطًا عدم الكشف عن اسمه، مجموعة من الأزمات المتراكمة التي تعصف بالبلاد، وتشمل التضخم المزمن، وارتفاع معدلات البطالة، وتفشي الفقر، واتساع الفوارق الاجتماعية، إلى جانب العقوبات الدولية المفروضة، والفساد المستشري، والقمع السياسي، وتقييد الحريات العامة وحرية التعبير، والرقابة الواسعة وحجب الإنترنت، وتدهور بيئي وتلوث خانق، وصولاً في الآونة الأخيرة إلى نقص حاد في الكهرباء والمياه.
يُضيف الناشط أن النظام الإيراني قد فشل في توفير أبسط مقومات الدولة السليمة لمواطنيه، متمثلة في تحقيق الازدهار، وتطبيق سيادة القانون، وصون الكرامة، وإتاحة إمكانية العيش بشكل طبيعي ومستقر. في المقابل، يواصل النظام إنفاق مليارات الدولارات بسخاء على برنامجه النووي ودعم الميليشيات في المنطقة، وذلك على حساب الاستثمار الضروري في البنية التحتية، وتنمية الصناعة، وبناء علاقات طبيعية وبناءة مع المجتمع الدولي. وقد أسفرت هذه السياسات، بحسب (أ. س.)، عن “انحدار اقتصادي وتنموي عميق حرم الإيرانيين من أي أفق حقيقي للمستقبل”.
تحول نوعي في مطالب الاحتجاجات
على الرغم من أن موجة الاحتجاجات الحالية ليست الأولى في إيران، إلا أنها تتميز عن سابقاتها، وفقًا لـ (أ. س.)، بوضوح هدفها وتصاعد مطالبها. فلم يعد المحتجون يكتفون بالمطالبة بإصلاحات جزئية أو بمعالجة قضايا محددة، بل تجاوزت مطالبهم ذلك لتستهدف النظام ككل. يعكس هذا التحول الجذري في المطالب طبيعة الهتافات التي تعلو في الشوارع، حيث أصبح شعار “الموت للديكتاتور” هو السائد، بدلاً من التركيز على قضايا معينة كما حدث في احتجاجات “المرأة، الحرية، الحياة” عام 2022، والتي أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني في الاعتقال بسبب حجابها، أو في احتجاجات عام 2009 التي تلت إعلان فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بنسبة 63% من الأصوات رغم التقارير عن وجود مخالفات عديدة.
يؤكد (أ. س.) أن المطلب الأساسي قد تجاوز مجرد خفض سعر الدولار أو كبح التضخم، ليتحول إلى “إنهاء منظومة الحكم القائمة واستبدالها بحكومة طبيعية، خاضعة للمساءلة، ديمقراطية، وقائمة على التنمية”. ولعل العنصر الأبرز والأكثر حساسية سياسيًا هو الدعم العلني لنجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، كبديل محتمل للنظام الحالي. ففي كثير من الأحيان، افتقرت الاحتجاجات الإيرانية إلى مشروع سياسي واضح، باستثناء ما شهدته “الثورة الخضراء” سابقًا، ولطالما استمد النظام قوته من ضعف خصميه الرئيسيين: “مجاهدي خلق” ورضا بهلوي، وافتقارهما إلى قاعدة شعبية قوية في الداخل. لذلك، بدا لافتًا هذا التحول الجذري مقارنة بالحركات السابقة التي افتقرت إلى بديل سياسي واضح، حيث يشير الناشط الإيراني اليوم إلى أن “الكثير من المحتجين يرون في رضا بهلوي قائدًا رمزيًا لمرحلة انتقالية تنهي حكم الجمهورية الإسلامية”.
كسر حاجز الخوف والتكتيكات الجديدة
تتسع رقعة الاحتجاجات يوميًا لتشمل مناطق لطالما اعتُبرت محافظة وبعيدة عن التمرد على النظام، مما يعكس تحولًا نوعيًا في المزاج العام للشعب. ومع هذا التوسع، بدأت أجهزة الأمن تلجأ إلى القوة والعنف المفرط، وتكشف مقاطع الفيديو التي يتناقلها الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي عن اشتباكات متكررة بين الجانبين، واستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود. لكن هذه الاحتجاجات، بحسب (أ. س.)، تظل عفوية وغير مركزية؛ فأي تحرك احتجاجي في إيران يُعد غير قانوني ويواجه بقمع شديد، وغالبًا ما يتخذ طابعًا دمويًا، إذ تعمد القوات الأمنية إلى إطلاق النار أو استهداف الوجوه والعيون لإحداث إعاقات دائمة.
وللتقليل من مخاطر القمع الشديد، اعتمد المحتجون أساليب لامركزية مبتكرة، عبر التجمع في نقاط متعددة في الوقت نفسه، ثم التفرق بسرعة وإعادة التجمع في أماكن أخرى، مما يصعب على القوات الأمنية السيطرة عليهم بشكل كامل. ويؤكد الناشط أنه “لا يمكن الحديث عن قائد ميداني واحد” لهذه التحركات، وإن كان “ما نشهده هو شجاعة استثنائية من قبل المتظاهرين”.
دحض أسطورة “التدخل الخارجي”
في مواجهة الاحتجاجات المتصاعدة، لجأ النظام مرة أخرى إلى اتهام الجهات الخارجية بالتحريض عليها. بيد أن هذه الرواية باتت لازمة تتكرر مع كل تحرك داخلي في إيران، فهي حجة متهاوية. يتساءل الناشط (أ. س.) عن مصداقية هذه الاتهامات: “كيف يمكن الادعاء أن شعبًا يعيش منذ عقود تحت وطأة التضخم والقمع والفقر، هو شعب راضٍ، وأنه يتحرك لخدمة أجندات الخارج؟”. يعتبر (أ. س.) أن هذه الاتهامات لم تعد سوى أداة للترهيب وتبرير العنف المفرط الذي تمارسه السلطات، و “محاولة للهروب من معالجة الأسباب الحقيقية للغضب الشعبي المتصاعد”.
تجاهل المطالب وتصاعد الغضب
بعد نحو تسعة أيام على اندلاع الاحتجاجات، أقدمت السلطات على إقالة رئيس المصرف المركزي، لكن هذا الإجراء لم ينعكس تراجعًا في سعر الدولار، بل واصل ارتفاعه المستمر، مما أظهر عدم جدوى هذا التغيير في معالجة الأزمة. وتشير التقارير إلى مقتل ما لا يقل عن 30 شخصًا حتى الآن، فيما تُظهر مقاطع الفيديو المتداولة قمعًا عنيفًا لم ينجح في ردع المحتجين، بل زاد من غضبهم وإصرارهم.
أما قرار الحكومة بصرف إعانة شهرية، فقد قوبل بسخرية وغضب واسعين في أوساط الشعب، وخصوصًا أن هذا المبلغ الضئيل “لا يكفي لشراء كيلوغرام واحد من اللحم”، واعتبره الإيرانيون إهانة صارخة لا حلًا عمليًا لمشاكلهم المعيشية. ليتضح الفرق الشاسع بين الدخل والمساعدات المقدمة، نورد الجدول التالي:
| البند | القيمة (بالدولار الأمريكي تقريبًا) | الملاحظة |
|---|---|---|
| الحد الأدنى للأجور شهريًا | 100 دولار | يعكس واقعًا اقتصاديًا صعبًا |
| الإعانة الشهرية المقدمة من الحكومة | 7 دولارات | لا تشتري كيلوغرامًا واحدًا من اللحم، وتعتبر إهانة |
والأسوأ، برأي (أ. س.)، أن هذه السياسات تزيد الأزمة تعقيدًا عبر ضخ السيولة في الاقتصاد من دون إجراء إصلاحات بنيوية حقيقية، مما يفاقم التضخم ويؤكد القناعة السائدة بأن النظام “لا يملك القدرة ولا الإرادة لإجراء إصلاح حقيقي يلامس جذور المشكلة”. في شوارع إيران، الرسالة أكثر مباشرة ووضوحًا، وما بدأ في البازار، عبر سريعًا إلى كسر المحرمات السياسية والنفسية الراسخة. وللمرة الأولى منذ سنوات، يبدو أن الخوف نفسه بدأ يتراجع بشكل ملحوظ.
