«التعليم: مواجهة الخطر الناعم»

«التعليم: مواجهة الخطر الناعم»

خلال لقاء جمعني بعدد من الزملاء الصحفيين والإعلاميين مع الدكتور أشرف منصور، رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية بالقاهرة، لفت انتباهي دعوته الصريحة لإطلاق حملة إعلامية جدية ضد ما يمكن أن نطلق عليه “الدراما التافهة”، وما تتركه من آثار خطيرة على التعليم ووعي الأجيال الجديدة.

لم تكن هذه الدعوة مجرد رأي عابر، بل جاءت من حب عميق للوطن، وإدراك واضح لحجم التأثير الذي تمارسه الدراما على عقول الطلاب، ونظرتهم للعلم والدراسة والمعلم، بل ومستقبلهم بالكامل، فأصبحت الدراما اليوم أكثر من مجرد فن للترفيه، بل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي، إما لدعم قيم العلم أو هدمها.

تُشوه صورة المعلم

الخطر الحقيقي على التعليم لا يأتي دائمًا بصخب أو مواجهة مباشرة، بل يتسلل بهدوء، في صورة أعمال درامية تافهة تضعف قيمة العلم، وتشوه صورة المعلم، وتسخف من فكرة الاجتهاد، وهو ما يُمكن وصفه بـ”الخطر الناعم” الذي يعمل ببطء ويترك تأثيرًا كبيرًا على الحاضر والمستقبل.

للأسف، لم تعد الدراما في كثير من نماذجها تعكس قيم المجتمع أو تُستخدم كأداة لبناء الوعي، بل تحولت إلى وسيلة لتسويق أنماط سلوكية سلبية، فقد شاهدنا أعمالًا تُظهر الطالب المجتهد كشخصية ساذجة أو معزولة، بينما يُصوَّر الطالب المهمل كبطل ذكي قادر على تجاوز كل شيء دون علم أو جهد، كما تكررت نماذج درامية تُظهر المعلم كشخصية ضعيفة أو هزلية، فاقدة للتأثير والاحترام، وهو ما يعزز لدى الطلاب نظرة سلبية تجاه المدرسة والجامعة.

في أعمال أخرى، يتم الترويج لفكرة أن النجاح والثراء يمكن أن يتحققا بالحيلة أو الصدفة أو الطرق المختصرة غير المشروعة، دون ارتباط حقيقي بالتعليم أو العمل الجاد، هذه الرسائل، رغم تقديمها في إطار درامي أو ترفيهي، تترك أثرًا عميقًا في وعي الشباب، وتغذي ثقافة الاستسهال والاستهانة بالعلم والتعليم.

والأخطر من ذلك، أن هذه الصورة المشوهة تتسلل يوميًا إلى البيوت دون رقيب، في وقت نحاول فيه إقناع أبنائنا بأن التعليم هو الطريق الحقيقي للنجاح، فكيف نطالب الطالب باحترام المدرسة أو الجامعة، بينما يرى في الدراما نماذج تسخر من كل ما يتعلق بالتعليم والمعرفة.

ناقوس خطر حقيقي

من هنا، أرى أن ما طرحه الدكتور أشرف منصور يمثل ناقوس خطر حقيقي، يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الإعلام والصحافة، فدورنا لا يجب أن يقتصر على نقل الحدث، بل يمتد إلى الدفاع عن القيم التي يقوم عليها المجتمع، وفي مقدمتها قيمة العلم.

نحن لا نطالب برقابة على الإبداع، ولا بمصادرة الفن، ولكن نطالب بحد أدنى من المسؤولية المجتمعية، لأن الدراما يمكن أن تكون شريكًا في البناء، كما كانت في فترات سابقة، حين قدمت نماذج ملهمة للمعلم والطبيب والباحث، وأسهمت في تشكيل وعي أجيال كاملة وسوقت للوطن وحب الوطن.

الدولة اليوم تستثمر بقوة في تطوير التعليم، من خلال الجامعات الحديثة، والشراكات الدولية، والمناهج المتطورة، ولكن كل هذه الجهود قد تُفقد قيمتها إذا استمرت بعض الأعمال الدرامية في تقديم رسالة مضادة، تهدم ما يحاول التعليم بناءه.

إن إطلاق حملة إعلامية ضد الدراما التافهة ليس هجومًا على الفن، بل هو دفاع عن المستقبل، ودفاع عن طالب يحتاج إلى قدوة إيجابية، وعن مجتمع لا يمكن أن ينهض دون تعليم يحظى بالاحترام والمكانة التي يستحقها.

وفي النهاية، تبقى المسؤولية مشتركة بين صناع الدراما، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، والأسرة، فإما أن نكون جميعًا شركاء في بناء الإنسان، أو نترك الساحة لمحتوى يُستهلك وينتهك العقول، ويضعف القيم، ويدفع ثمنه أبناؤنا قبل أي أحد آخر.