
هل الأولوية لحدود الله أم لتطبيق القانون؟ هذا السؤال، الذي أود أن أبدأ به حديثي، ليس مجرد استفزاز ديني أو تمرد على سلطة الدولة، بل هو صرخة عقل يسعى جاهداً لإيجاد ميزان عادل. فالمؤمن الحقيقي، بقلبه وعقله، لا يقترب من حدود الله بتحدٍ أو استخفاف، ولا يتعامل معها كخيار سياسي عابر أو مزاج إداري متقلب. لقد وضع الله سبحانه وتعالى هذه الحدود بعلم شامل ودقيق بأحوال البشر، وبمقومات أساسية تسبق إقامتها وتنفيذها، فلا يمكن أن يكون هناك حدٌ دون عدل، ولا عقوبة بلا قدرة على التزام، ولا تكليف من غير تمكين وتيسير.
حين شرع الله الحدود، لم يأتِ بها من فراغ أو بمعزل عن واقع الحياة، بل ربطها ارتباطاً وثيقاً بضمان حياة كريمة، وسد للحاجات الأساسية، وتوفير أمان اجتماعي شامل يمنع ويحمي من الانحراف قبل أن يعاقب عليه. لم يكن ربك ليضع حداً يعلم تمام العلم أن عباده عاجزون عن الالتزام به، أو أن الدولة قاصرة عن توفير شروطه ومقوماته. ولهذا السبب، فإن الاقتراب من تطبيق هذه الحدود دون تحقق شروطها ومقوماتها يعد ظلماً فادحاً، والتلاعب بها باسم التطبيق يشكل ظلماً أشد وأقسى.
أنين الناس وصراخ الحاجة
اليوم، يتردد صدى أنين الناس، لم يعد خافتاً بل تحول إلى صراخ مدوٍ يملأ الشوارع، والمنصات الرقمية، والجلسات العامة والخاصة على حد سواء. نرى مواطناً يعجز لا عن الكماليات فحسب، بل عن أبسط الأساسيات، يعمل جاهداً ليؤمن طعامه، ثم يعمل أكثر ليغطي الغرامات المتراكمة، ثم يستمر في العمل ليؤجل الانهيار المحتم، لا ليبني مستقبلاً مستقراً ولا ليشعر بأدنى مستويات الأمان المنشود.
مخالفات السير: فخ يلتهم الأرزاق
مخالفات السير، التي يفترض أن تكون أداة لتنظيم الحركة المرورية وضمان السلامة، تحولت للأسف إلى فخ محكم يلتهم أرزاق السائقين دون استثناء أو تمييز. وعندما نخصص الحديث عن سائقي النقل العمومي، نجد أن السائق قد لا يستطيع ترخيص مركبته بسبب تراكم المخالفات، فيُدفع مرغماً لقيادتها دون ترخيص، فقط ليسد رمقه ورمق أسرته. وهكذا، تتحول المركبة إلى خطر دائم بلا تأمين، وإذا وقع حادث، يضيع حق المتضرر، ويخسر المجتمع مرتين، مرة بسبب القانون نفسه، ومرة بفقدان الأمان والثقة.
السكن: من حق إلى عبء نفسي
أما السكن، ذلك المقصد العظيم الذي به تستقر النفوس وتُحفظ الكرامة الإنسانية، فقد تحول عند الكثيرين إلى مصدر قلق دائم ومستمر. رسوم المسقفات والأبنية تتراكم عاماً بعد عام، وتكبر الغرامات بصمت مريب، حتى يصبح البيت نفسه مهدداً، ليس لأنه آيل للسقوط أو غير صالح للسكن، بل لأن ساكنه يعجز عن سداد رقم يظهر على شاشة. المواطن الذي أفنى عمره لتأمين سقف لأولاده، ناهيك عن الأقساط اللازمة لتكملة المستحق، يجد نفسه فجأة يشعر أن هذا السقف مؤقت وغير مستقر، وأن الأمان والاستقرار الذي وعد به القانون قد يتحول إلى عبء يخنقه ويثقل كاهله. فأي معنى للأمان إذا كان البيت مهدداً بالرسوم، وأي عدل يمكن أن يتحقق إذا كان السكن يتحول من حق أساسي إلى عبء نفسي دائم؟!
دائرة القروض والديون المفرغة
حين يجد المواطن نفسه محاصراً بهذه الالتزامات والضغوط المالية الخانقة، لا يجد أمامه سوى باب القروض، فيقترض لا ليستثمر أو يطور حياته، بل ليسدد رسوماً وغرامات مفروضة. وهكذا، يدخل في دائرة من الفوائد المركبة التي تجعله عرضة للسجن وفقدان الحرية، فيتحول الدَين من حل مؤقت مزعوم إلى قيد طويل الأمد. يصبح تأجيل المشكلة هو الهدف الأسمى، لا حلها جذرياً، ويعيش الإنسان وهو يدرك أن خطوة واحدة خاطئة قد تسلبه حريته وكرامته، كمن يسير في حقل ألغامٍ يحاصره من كل اتجاه ويتهدده في كل لحظة.
عمر بن الخطاب وتعطيل حد السرقة: نظرة عميقة للعدالة
وهنا، يحضرنا موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي عطل حد السرقة في عام الرمادة، ليس استخفافاً بحد من حدود الله أو تجاوزاً عليه، بل إجلالاً لمقاصده النبيلة وروحه العادلة. فقد فهم بعمق أن الجائع الذي يسرق مضطراً لا تُقطع يده، وأن الدولة إن عجزت عن توفير الإطعام والرعاية لمواطنيها، سقط عنها حق العقاب والمحاسبة. فهل كان حد الله أهون من قانون بشري في نظر عمر؟ أم أن فهمه العميق كان أبعد من النص المجرد، واستشرف روح العدالة ومقاصد الشريعة في كل ظرف؟!
تعطيل إنسانية القانون: أخطر من تعطيل الحد
اليوم، نجد أنفسنا نعطل إنسانية القانون ونغفل عن روحه السمحة، بينما نتمسك بنصوصه الحرفية، فنُحمّل المواطن ما لا يطيق من أعباء والتزامات، ثم نستغرب بعد ذلك من التفلت وعدم الالتزام. نُجرّم الاضطرار ونحاسب الفرد على خلل جماعي وهيكلي في المجتمع، وهذا في حقيقة الأمر أخطر بكثير من مجرد تعطيل حد رباني مؤقت، لأنه تعطيل للعقل والعدل معاً، وانسياق وراء الجمود بدلاً من الحكمة.
الدعوة للإصلاح: لا للفوضى بل لإعادة القانون لمقصده
كلامي هذا لا يدعو بأي حال من الأحوال إلى الفوضى أو لإسقاط القوانين المعمول بها، بل هو دعوة صادقة لإعادتها إلى مقصدها الأصيل وهدفها النبيل. فالقانون وُضع لتنظيم الحياة وتيسيرها، لا لخنقها وتقييدها، ولحماية الناس وصون حقوقهم، لا لدفعهم نحو المخاطرة واليأس، وُضع لمنع الجريمة ومكافحتها، لا لصناعتها أو خلق بيئة تساعد على انتشارها.
مقترحات عملية لتصحيح المسار
ولهذا، فإن الدعوة إلى عفو عام عن مخالفات السير المتراكمة، وعن رسوم المسقفات والأبنية المتأخرة، ليست مجرد منّة أو تفضل من الدولة، بل هي تصحيح ضروري لمسار خاطئ، واستعادة للعدالة المفقودة. وإن تعذر العفو الكامل، فليكن التقسيط متاحاً بلا غرامات إضافية، أو ليتم حصر الاستيفاء بالمخالفات التي تجاوزت سنتين أو ثلاثاً عند الترخيص، لا أن يُفتح سجل تاريخ المواطن كله دفعة واحدة ليشكل عبئاً لا يطاق. وكذلك، يجب إيقاف الغرامات السنوية على السكن، لأنه حق أساسي وليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه.
معايير الدولة القوية والمسؤول الحكيم
الدولة القوية بحق لا تُقاس بعدد ومقدار ما تحصله من الغرامات والعقوبات، بل بعدد المواطنين القادرين على الالتزام بالقانون والعيش بكرامة. والمسؤول الحكيم والرشيد لا يُراكم القوانين والتشريعات دون بصيرة، بل يُراكم الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويعمل جاهداً على تقليل الفجوة والمسافة بينهما.
العدل: الميزان بين حدود الله وقانون البشر
وبين حدود الله السامية وقوانين البشر المنظمة، يبقى العدل هو الفاصل الحاسم والميزان الحقيقي. فمن أقام العدل، أقام الاثنين معاً، ونال رضا الله وثقة الناس، ومن غيّبه وأهمله، فلن تنفعه النصوص واللوائح، مهما كانت صارمة ومحكمة. فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بمدى صرامة اللوائح وكثرة النصوص، بل بمدى رسوخها في قلوب الناس التي تعيشها وتتذوق حلاوتها. ومَن فقدت قلوبهم إحساس العدل، فلن تنفعهم أي نصوص قانونية مهما كانت قوية أو واضحة.
