
التحولات الجارية في سوق السيارات الأوروبي تتجاوز كونها مجرد أرقام إحصائية، لتصبح مؤشرات قوية على تغيير عميق يلوح في الأفق بخصوص طريقة تنقل الأفراد ومستقبل صناعة السيارات على الصعيد العالمي. السؤال الأهم بالنسبة للقارئ المغربي اليوم لا يقتصر على فهم ما يجري في أوروبا، بل يتعداه إلى معرفة كيفية انعكاس هذه التغيرات علينا هنا في المغرب، وهل نحن حقًا أمام بداية النهاية لسيارات الديزل؟
أرقام أوروبية تكشف انقلابًا في السوق
وفقًا لأحدث إصدار من تقرير النقل الأوروبي الصادر عن يوروستات، شهدت تسجيلات السيارات الخاصة الجديدة داخل الاتحاد الأوروبي خلال العقد الأخير تحولًا جذريًا وملحوظًا في نوعية المحركات المعتمدة، وهو ما يرسم ملامح مستقبل مختلف تمامًا للقطاع.
تُظهر البيانات التالية ملخصًا للتحولات الكبرى في تسجيلات السيارات الجديدة بين عامي 2014 و2024:
| نوع المحرك | التغيير في التسجيلات (2014-2024) | حصة السوق من التسجيلات الجديدة (2024) | حصة السوق من التسجيلات الجديدة (2014) |
|---|---|---|---|
| سيارات الديزل (بما فيها الهجينة) | تراجع بنسبة تقارب 67%. | انخفاض كبير عن السابق. | كانت مهيمنة لسنوات طويلة. |
| السيارات الكهربائية بالكامل (بطاريات) | تضاعف 45 مرة. | 13.9%. | 0.3%. |
| مركبات الوقود البديل الأخرى (GPL، هيدروجين، إلخ) | ارتفاع بنسبة 13% في 2024 مقارنة بـ 2014. | ارتفاع عن السابق. | مستوى أقل. |
| سيارات البنزين والهجينة | ارتفاع ملحوظ. | ارتفاع عن السابق. | مستوى أقل. |
هذه الأرقام الجلية تعني ببساطة أن المستهلك الأوروبي لم يعد ينظر إلى الديزل كخيار أول مفضل كما كان عليه الحال في الماضي.
لماذا يتراجع الديزل بهذه السرعة؟
إن تراجع الديزل لا يقتصر على التطورات التكنولوجية فحسب، بل هو نتاج منظومة متكاملة من السياسات والتشريعات التي تبنتها أوروبا. فقد شددت المدن الأوروبية القيود البيئية بشكل كبير، وفرضت ضرائب أعلى على المركبات ذات الانبعاثات المرتفعة، وبدأت بعض العواصم فعليًا في منع سيارات الديزل القديمة من دخول مراكزها التاريخية. بالتوازي مع ذلك، شهدت السيارات الكهربائية تطورًا مذهلاً، إذ أصبحت أكثر تقدمًا وكفاءة، وأقل تكلفة في الاستعمال اليومي، مع تحسن كبير في سعة البطاريات ومدى القيادة الذي توفره.
بمعنى آخر، لم يعد قرار التخلي عن الديزل مجرد خيار عاطفي أو بيئي، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا حاسمًا بالنسبة للمستهلك الأوروبي.
ماذا يعني ذلك للمغرب فعليًا؟
هنا تكمن الزاوية الأهم التي تثير اهتمام القارئ المغربي، فالمغرب مرتبط بشكل وثيق بالسوق الأوروبية، سواء من خلال استيراد السيارات المستعملة أو الجديدة، أو عبر وجود مصانع محلية للتجميع والتصدير. لذلك، فإن أي تحول في تفضيلات المستهلكين الأوروبيين سينعكس تلقائيًا على العرض المتوفر لدينا في السوق المغربية.
إذا تخلت أوروبا تدريجيًا عن سيارات الديزل، فمن المرجح أن نشهد تراجعًا عالميًا في إنتاج هذا النوع من المحركات، مما قد يؤدي إلى تقليل الخيارات المتاحة في المستقبل وربما رفع تكلفة الصيانة وقطع الغيار لسيارات الديزل. في المقابل، من المتوقع أن تتدفق نحو الأسواق الناشئة، بما فيها المغرب، سيارات هجينة وكهربائية بشكل أكبر، سواء عبر قنوات الاستيراد المباشر أو من خلال التوسع في التصنيع المحلي لهذه الفئات. كما أن المغرب قد بدأ بالفعل في الاستثمار الجاد في قطاع الطاقات المتجددة وتطوير محطات الشحن، مما يجعل الانتقال التدريجي نحو المركبات الكهربائية أكثر واقعية وجدوى على المدى المتوسط.
هل نودّع الديزل قريبًا في المغرب؟
الجواب الواقعي هو: ليس فورًا، لكن الاتجاه العام واضح ومحسوم. ستبقى سيارات الديزل حاضرة لسنوات قادمة في المغرب، وذلك بسبب تكلفتها المناسبة نسبيًا واعتمادها الكبير في قطاع النقل المهني وللقيادة لمسافات طويلة. غير أن هيمنتها المطلقة لن تستمر كما كانت في الماضي. ومع مرور الوقت، قد يصبح الديزل خيارًا ثانويًا ومحدودًا، بدل أن يكون الخيار الافتراضي والأول للمستهلكين.
تمامًا كما حدث في أوروبا، سيقود مزيج من القوانين البيئية المشددة، والتطور المتسارع في التكنولوجيا، والتغير المستمر في أسعار الوقود، هذا التحول تدريجيًا نحو بدائل أكثر استدامة.
ما يحدث في أوروبا ليس مجرد موضة عابرة أو تحول سطحي، بل هو إعادة تشكيل شاملة لسوق السيارات برمته. وتاريخيًا، كل تحول صناعي كبير يشهده القارة الأوروبية يصل صداه إلى المغرب عاجلًا أو آجلاً. لذلك، فإن السؤال لم يعد هل سيتراجع الديزل أم لا، بل متى وبأي سرعة سيحدث هذا التراجع. المؤشرات الحالية كلها تصب في اتجاه أن المستقبل يتجه نحو السيارات الكهربائية والهجينة، ومن الأفضل للمستهلك المغربي أن يبدأ من الآن في التفكير واستيعاب هذه المعادلة الجديدة التي ستحدد معالم سوق السيارات في السنوات القادمة.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” بناءً على مصادر مفتوحة وموثوقة، وتمت مراجعته بعناية فائقة لتقديم محتوى دقيق وشامل للقارئ.
