الذهب يتخطى حاجز الـ 5 آلاف دولار للمرة الأولى في تاريخه مع تصاعد الاضطرابات العالمية

الذهب يتخطى حاجز الـ 5 آلاف دولار للمرة الأولى في تاريخه مع تصاعد الاضطرابات العالمية

في تطور غير مسبوق هزّ أركان الأسواق العالمية، تجاوز سعر الذهب عتبة 5 آلاف دولار للأونصة، محطمًا بذلك كل التوقعات ومسجلًا رقمًا قياسيًا جديدًا. لم يقتصر تأثير هذا الارتفاع الصاروخي على بورصات نيويورك ولندن العريقة فحسب، بل امتد ليطال أسواق الذهب في المغرب، مسببًا صدمة وارتباكًا واسعًا بين الحرفيين والمستهلكين المغاربة على حد سواء. هذا الإنجاز التاريخي للمعدن الأصفر يؤكد مكانته كأحد أبرز مؤشرات التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الكبرى.

تُعدّ الأونصة وحدة قياس أساسية للذهب والمعادن النفيسة، وتعادل تقريبًا 31.1 غرامًا. في الوقت الراهن، يعادل سعر 31.1 غرامًا من الذهب حوالي 5100 دولار أمريكي.

ارتفاع قياسي لأسعار الذهب

شهدت أسعار الذهب الفورية قفزة نوعية، حيث ارتفعت بنسبة 2.2% لتصل إلى 5089.78 دولارًا للأونصة، بعد أن لامست أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 5110.50 دولارًا في تداولات سابقة. كما صعدت العقود الآجلة الأمريكية للذهب، تسليم فبراير، بنسبة 2.2% مسجلة 5086.30 دولارًا للأونصة.

تحليل الخبير الاقتصادي: أسباب الصعود

أكد الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن أسعار الذهب بلغت مستويات غير مسبوقة، مقتربة من 5100 دولار للأونصة الواحدة، وهو ما يعادل تقريبًا سعر 31 غرامًا من الذهب. وأوضح جدري أن هذا الارتفاع لم يكن مفاجئًا، بل جاء متوقعًا في ظل الظروف العالمية الراهنة.

فمنذ أواخر عام 2019، يعيش العالم حالة من عدم اليقين المتزايد، نتيجة لتصاعد النزاعات والحروب، وتقلّبات التعريفات الجمركية، بالإضافة إلى استمرار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي على الساحة الدولية. هذه العوامل دفعت قطاعًا واسعًا من المستثمرين إلى الابتعاد عن الأسهم والعقارات والأصول التقليدية الأخرى، والبحث عن ملاذ آمن لأموالهم في الذهب.

الهدف الرئيسي من هذا التوجه، بحسب جدري، هو الحفاظ على القيمة الشرائية للأموال في ظل التضخم وعدم اليقين. اللافت للنظر أن سعر الأونصة قد تضاعف تقريبًا في غضون عام واحد فقط، منتقلًا من مستويات تتراوح بين 2400 و2600 دولار إلى أكثر من 5100 دولار، ما يشكل “قفزة نوعية غير مألوفة” في أسواق المعادن النفيسة.

تحذيرات وتوقعات مستقبلية

يستشهد جدري بالمثل الشعبي “مصائب قوم عند قوم فوائد” ليصف حال مدخري الذهب الذين استفادوا من الأزمات العالمية والتوترات الجيوسياسية. ومع ذلك، يدق ناقوس الخطر محذرًا من عدم قدرة السوق على تحديد “سقف” لهذه الارتفاعات المتتالية، مما يجعل أي عملية شراء للذهب في الوقت الحالي مغامرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للمستهلك العادي.

وأضاف أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الذهب له تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي ككل، إذ أصبح من الصعوبة بمكان التكهن بالسقف الذي قد يبلغه سعر الذهب مستقبلًا، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة تشير إلى عودة الاستقرار الدولي.

في المقابل، يرى جدري أن هذا الوضع قد حقق مكاسب كبيرة للمدخرين والمستثمرين في الذهب، سواء على المدى الطويل أو القصير، حيث سجلت بعض الاستثمارات عائدات تراوحت بين 80 و100 بالمائة. ومع ذلك، يُتوقع أن يشهد سوق الذهب حالة من التباطؤ والكساد، نتيجة لتراجع عدد المشترين الذين أصبحوا يجدون صعوبة بالغة في تحمل الأسعار المرتفعة.

وختم الخبير الاقتصادي تحليله بالإشارة إلى أن الرؤية المستقبلية لأسعار الذهب لا تزال غامضة، مرجحًا إمكانية تجاوز سعر الأونصة حاجز 6000 أو حتى 7000 دولار قبل نهاية العام، طالما ظل الاستقرار العالمي بعيد المنال.

تاريخ الذهب: رحلة صعود متقلبة

لم يسجل الذهب، في تاريخه الحديث، ارتفاعات بهذا الحجم منذ فترات التوتر الجيوسياسي والاقتصادي التي شهدها العالم خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث قفز سعر الأونصة آنذاك ليتجاوز 800 دولار، قبل أن يدخل في مسار تراجعي استمر لسنوات طويلة.

بين عامي 1999 و2002، بلغ المعدن الأصفر أدنى مستوياته، حيث هبط سعر الأونصة إلى حوالي 252 دولارًا فقط، مدفوعًا بحالة الاستقرار النسبي التي سادت الاقتصاد العالمي في تلك الفترة. لكن المشهد تغير جذريًا مع اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث هرع المستثمرون بشكل مكثف نحو الذهب باعتباره الملاذ الآمن لمواجهة انهيار الأسواق المالية.

في مارس من عام 2008، كسرت الأونصة لأول مرة حاجز 1000 دولار، مسجلة حوالي 1023 دولارًا. ورغم أن انهيار بنك ليمان براذرز في سبتمبر من العام ذاته دفع المستثمرين إلى بيع الذهب لتوفير السيولة، مما أحدث تقلبات حادة في الأسعار، إلا أن المعدن الأصفر سرعان ما استعاد زخمه وقوته، عقب تدخل البنوك المركزية وضخها للسيولة لإنقاذ النظام المالي العالمي.

واصل الذهب مساره التصاعدي خلال السنوات التالية، متأثرًا بالأحداث العالمية. فقد بلغ سعر الأونصة نحو 1517 دولارًا في ديسمبر خلال فترة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في عهد الرئيس دونالد ترامب. ولكن التحول الأكبر سُجل مع تفشي جائحة كوفيد-19، التي قلبت موازين الاقتصاد العالمي، ونشرت حالة من الذعر في الأسواق، ليتجاوز الذهب آنذاك مستوى 2058 دولارًا للأونصة، محققًا رقمًا قياسيًا جديدًا.

تُظهر البيانات التاريخية والمسار التصاعدي للذهب بوضوح دوره المحوري كمؤشر على التقلبات العالمية، مما يعكس حالة القلق المستمرة في الاقتصاد العالمي. وفيما يلي جدول يوضح أبرز محطات أسعار الذهب على مر التاريخ:

الحدث / الفترة الزمنيةسعر الأونصة التقريبي (بالدولار الأمريكي)
السبعينيات والثمانينياتأكثر من 800
1999-2002252
مارس 20081023
فترة الحرب التجارية (ديسمبر)1517
جائحة كوفيد-19أكثر من 2058
ارتفاع مستمر عام 2024
كسر حاجز 3000 دولار (العام التالي أي 2025)أكثر من 3000
أبريل 20253500
أكتوبر 2025أكثر من 4000
يناير 2026أكثر من 5100
سعر الأونصة الحالي (المعاملات الفورية)5089.78 (سجل أعلى مستوى على الإطلاق 5110.50)
سعر الأونصة الحالي (العقود الآجلة)5086.30
سعر الأونصة قبل عام واحد2400 – 2600

في يناير 2026، ومع اتساع رقعة التوترات الجيوسياسية، وتصاعد الخلافات بين الرؤساء والبنك المركزي، إلى جانب استمرار الأزمات الدولية، بلغ الذهب مستوى غير مسبوق، متجاوزًا 5100 دولار للأونصة. هذا الارتفاع يعكس حجم القلق الذي يخيّم على الاقتصاد العالمي، ويعيد التأكيد على دور الذهب كأحد أبرز مؤشرات عدم الاستقرار الدولي.