
شهدت أسعار الذهب تصحيحًا قويًا في نهاية تعاملات الأسبوع، وعمقت خسائرها مع بداية تداولات اليوم، وذلك بعد موجة صعود تاريخية دفعت المعدن الأصفر إلى مستويات غير مسبوقة، حيث عادت الأسعار إلى حدود 4500 دولار للأوقية، في ظل عمليات جني أرباح واسعة، وتزايد حذر المستثمرين.
جاء هذا التراجع في وقت فسر فيه الأسواق ترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكيفين وارش رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أنه إشارة إلى توجه أكثر تشددًا في السياسة النقدية الأمريكية، وعمق من التراجع قرار “سي إم إي جروب”، أكبر مشغل عالمي لأسواق العقود الآجلة والخيارات برفع متطلبات هوامش عقود الذهب الآجلة إلى 8% من 6%.
سجلت أسعار الذهب قفزة تاريخية غير مسبوقة متجاوزة مستوى 5500 دولار للأوقية في جلسة 29 يناير، عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي بتثبيت أسعار الفائدة، وهو ما عزز توجه المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن في ظل الضغوط التي تواجه الدولار، إلى جانب استمرار الطلب العالمي القوي، خاصة من البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين.
بداية المسار الصاعد
بدأ المسار الصاعد للذهب بوضوح منذ الربع الرابع من عام 2024، وتسارع خلال النصف الأول من عام 2025، قبل أن يدخل مرحلة تماسك عند قمم تاريخية خلال النصف الثاني من 2025، وذلك مدفوعًا باستقرار السياسة النقدية الأمريكية، وارتفاع الطلب الاستثماري والمؤسسي.
قال أحمد عزام، رئيس الأبحاث في إكويتي، إن العلاقة التقليدية بين ضعف الدولار وارتفاع الذهب لا تزال قائمة، حيث إن تراجع العملة الأمريكية يجعل المعدن النفيس أرخص نسبيًا لحائزي العملات الأخرى.
أوضح في لقاء مع “أقرأ نيوز 24″، أن هبوط الذهب في جلستي الخميس والجمعة الماضيتان، رغم استمرار سردية الدولار الضعيف، يشير إلى تحول مؤقت في سلوك السوق، الذي انتقل من تسعير القناعة إلى تسعير التموضع وتدوير السيولة.
وأضاف أن تراجع الذهب بنحو 5 تريليونات دولار من قيمته السوقية خلال جلستين لا يعني نهاية الاتجاه الصاعد، بل يقرأ كموجة تصحيح فني مدفوعة بجني أرباح وتصفية مراكز، جاءت بعد مسار صعودي استثنائي تخلله سلسلة من الإغلاقات القياسية.
وأشار عزام إلى أن الأسواق في لحظات الاندفاع الشديد تصبح شديدة الحساسية لأي ارتداد في الدولار أو ارتفاع مفاجئ في التقلبات، مما يدفع المستثمرين إلى تفعيل أوامر وقف الخسارة وتقليص الانكشاف على المخاطر، وفي مثل هذه الحالات، تميل المحافظ إلى بيع الأصول الرابحة كالذهب لحماية المراكز الخاسرة، فيما يعرف بسلوك “بيع الرابح أسهل لحماية الخاسر”.
تطرق عزام إلى دور التصريحات السياسية في تشكيل المزاج السوقي، موضحًا أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي وصف فيها الدولار بأنه “رائع” وقابل للتحكم “كاليويو” أعادت إشارات سياسية تعكس ارتياح تجاه ضعف العملة، مما عزز شهية المخاطرة على الذهب.
بحسب عزام، فإن المزاج انقلب مؤقتًا مع تزايد الترقب بشأن الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسط ترجيحات بتعيين “كيفين وارش”، المعروف بتوجهاته المتشددة في السياسة النقدية، مما زاد المخاوف من كبح التيسير النقدي المنتظر، وأن تتعرض توقعات خفض الفائدة وسرعة السيولة لانتكاسة، مما دفع الأسواق إلى مراجعة تسعيرها للذهب على المدى القصير.
دات تونغ: التداخل بين العوامل
قال دات تونغ، كبير استراتيجيي الأسواق المالية في “إكسنس”، إن القفزة التاريخية لأسعار الذهب فوق مستوى 5500 دولار تعكس تداخل عدة عوامل، في مقدمتها ضعف الدولار الأمريكي، وتزايد المخاطر السياسية والجيوسياسية.
أضاف في لقاء مع “أقرأ نيوز 24″، أن الأسواق باتت تسعر بدرجة متزايدة تساهلًا سياسيًا تجاه تراجع الدولار، خاصة مع تزايد المخاوف حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما يعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن.
أشار إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية في عدة مناطق حول العالم لعب دورًا إضافيًا في تعزيز الطلب على المعدن النفيس، جنبا إلى جنب مع تزايد مشتريات البنوك المركزية، وتدفقات صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب، مما يعزز النظرة الصعودية على المدى الطويل.
وأوضح أن تصاعد التهديدات التجارية، وتوتر سلاسل الإمداد العالمية يضيفان مزيدًا من الضغوط على الدولار الأمريكي، ويدعمان توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة.
ثبت مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في اجتماعه يوم الأربعاء 28 يناير 2026، أسعار الفائدة عند النطاق 3.50% – 3.75%، مما دعم جاذبية الذهب مقارنة بالأصول ذات العائد.
هاكان كايا: قوة الذهب
قال هاكان كايا، مدير المحافظ الأول في نيوبرغر بيرمان، إن الذهب وسوق المعادن النفيسة بشكل عام سجلت أداءً استثنائيًا خلال عام 2025، لتكون من بين أبرز القصص الاستثمارية نجاحًا على مستوى الأصول العالمية.
أوضح في لقاء مع “أقرأ نيوز 24″، أن هذا الزخم امتد إلى عام 2026، حيث اخترق الذهب مستوى 5500 دولار للأونصة، مدعومًا بمجموعة من العوامل، تشمل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي الكلي، وارتفاع حدة التوترات الجيوسياسية، وزيادة مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب عودة قوية في شهية مستثمري صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب، بالتزامن مع تحول السياسة النقدية للفيدرالي باتجاه خفض الفائدة.
وأشار إلى أن المعادن الأخرى مثل الفضة والبلاتين والبلاديوم حققت أيضًا مكاسب قوية، مستفيدة من نفس العوامل النقدية، بالإضافة إلى تدفقات مضاربة تستهدف التعرض لأصول تُصنف بأنها “أعلى بيتا” مقارنة بالذهب.
إحصائيات أسعار الذهب
قمم الذهب التاريخية | ||
السنة | الحدث الاقتصادي | سعر الذهب (دولار/أوقية) |
1971 | فك ارتباط الدولار بالذهب (إنهاء اتفاقية بريتون وودز) | 35 |
1980 | تضخم مرتفع وضعف الدولار وأزمة النفط | 850 |
2011 | التيسير الكمي بعد أزمة 2008 | 1920 |
2020 | جائحة كورونا | 2075 |
2026 | ضعف الدولار وطلب تحوطي قوي | 5560 |
وفق أحدث التقديرات حتى عام 2026، فإن القوة الشرائية للدولار الأمريكي انخفضت إلى نحو 12.5% فقط من مستواها في عام 1971، مما يعني فقدانه ما يقارب 87.5% من قيمته الحقيقية خلال خمسة عقود، وهو ما يعزز الحاجة إلى أصول تحافظ على القيمة بمرور الزمن، وفي مقدمتها الذهب.
رغم أن فك الارتباط كان قرارًا سياسيًا، إلا أن العلاقة الاقتصادية بين الذهب والدولار ظلت قائمة، حيث يُعتبر الدولار هو عملة تسعير المعدن الأصفر، وفقًا لهذه القاعدة، فإن ضعف الدولار غالبًا ما يدعم أسعار الذهب، بينما تضغط قوة العملة الأمريكية على المكاسب، في علاقة هيكلية تحكمها اتجاهات السياسة النقدية ومعدلات التضخم.
إشارات الخطر
قال أحمد عزام إن صعود الذهب لا يعني بالضرورة وقوع أزمة مالية أو اقتصادية، حيث إنه يعكس تصاعد تحوط المستثمرين تجاه مجموعة من المخاطر، أبرزها اتساع الدين العام، واضطراب السياسة التجارية، والتوترات الجيوسياسية، واحتمال تراجع الثقة المؤسسية.
أوضح أن المؤشرات الحقيقية لحدوث أزمة ستظهر من خلال توسع فروقات الائتمان، وتوتر سيولة التمويل القصير، وارتفاع مؤشرات الضغط في القطاع المصرفي، مشيرًا إلى أن تزامن هذه العوامل مع استمرار اندفاعة الذهب الصعودية سيزيد من احتمالات تحقق أزمة فعلية.
من جانبه، أشار دات تونغ إلى أن الارتفاع الحالي في أسعار الذهب لا يعني بالضرورة قرب وقوع أزمة اقتصادية، لكنه يعكس تنامي حالة من القلق النظامي في الأسواق.
أضاف أن الذهب غالبًا ما يصعد خلال فترات الأزمات، أو عند تراجع الثقة بالمؤسسات، مشيرًا إلى أن التحركات الأخيرة تعكس تحوطًا واسعًا من المستثمرين تجاه المخاطر القصوى، رغم أن البيانات الاقتصادية لا تزال تظهر قدرًا من التماسك في الاقتصادات الكبرى، بينما تواصل البنوك المركزية – بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي – التأكيد على استقرار الأوضاع العامة.
لفت تونغ إلى أن السوق بدأت تُسعّر احتمالات أعلى لاضطرابات مستقبلية، مدفوعة بتزايد التدخلات السياسية في السياسات النقدية، وتدهور الأوضاع المالية العامة، وتفكك العلاقات التجارية، واستمرار النزاعات الجيوسياسية.
المخاطر والفرص.. إلى أين يتجه سعر المعدن الأصفر؟
أوضح أحمد عزام أن الصورة باتت مزدوجة في المرحلة الراهنة، حيث أن الزخم الذي دفع المعدن الأصفر لتسجيل قمة تاريخية عند 5600 دولار في 2026 خلق بيئة مهيأة للتصحيحات الفنية، والتي بدأت بالفعل.
وأضاف أن العوامل الأساسية الداعمة للاتجاه الصاعد لا تزال قائمة، وتتضمن اضطراب السياسة التجارية، وتصاعد المخاوف بشأن استقلالية السياسة النقدية، واستمرار البنوك المركزية في سياسة تنويع الاحتياطيات، إلى جانب القلق من تصاعد مستويات الدين العام.
أكد أن العامل الفاصل في تحديد المسار خلال الفترة المقبلة سيكون في أداء الدولار والعوائد الحقيقية، مشيرًا إلى أن العائد الحقيقي على السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات لا يزال موجبًا عند نحو 1.9%، مما يجعل استمرار صعود الذهب مؤشرًا على هيمنة دوافع الثقة والتحوط على حساب تأثير أسعار الفائدة.
أشار عزام إلى أن استمرار التصحيح يبقى مرجحًا في حال استعاد الدولار زخمه، أو توسع موجة خفض المخاطر في الأسواق العالمية.
من جهته، يرى تونغ أن النظرة المتوسطة الأجل للذهب تبقى إيجابية، رغم أن المسار لن يكون بالضرورة خطيًا، وقد يشهد فترات من التماسك أو التصحيحات الفنية بعد موجة الصعود الحادة.
أوضح أن جني الأرباح قد ينجم عن ارتداد مؤقت في الدولار، أو مفاجآت تميل إلى التشديد من جانب الاحتياطي الفيدرالي، أو تهدئة مؤقتة في التوترات الجيوسياسية.
يرجح تونغ أن تمثل هذه التراجعات فرصًا للشراء الاستراتيجي، خاصة من قبل مديري الاحتياطيات والمخصصات طويلة الأجل، بدلًا من أن تعكس انعكاسًا في الاتجاه العام.
من جهته، رجح كايا أن يتطور المشهد الكلي بطريقة قد تخفض من وتيرة المكاسب في سوق المعادن الثمينة، من دون أن تنهيها تمامًا، موضحًا أن بعض المحفزات التي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية في 2025 قد تبدأ في التراجع خلال العام الجاري، خاصة إذا هدأت التوترات الجيوسياسية، أو انخفضت الاحتكاكات التجارية، أو تراجعت المخاوف من الركود.
أضاف أن أي تحسن جوهري في شهية المخاطرة أو في مؤشرات النمو العالمي قد يعيد توجيه السيولة نحو الأصول الدورية، على حساب الملاذات الآمنة التقليدية مثل الذهب، متوقعًا أن تسجل أسواق الطاقة والمعادن الأساسية وبعض السلع الزراعية أداءً نسبيًا أفضل في مثل هذا السيناريو.
على الصعيد الفني، لفت أحمد عزام إلى أن مستوى 4800 دولار يتحول الآن من دعم إلى منطقة اختبار رئيسية، حيث إن الثبات فوقه قد يعيد الزخم تدريجيًا نحو الاتجاه الصاعد، بينما قد يؤدي كسره بإغلاقات واضحة إلى تعميق التصحيح باتجاه مناطق 4600 ثم 4444 دولارًا، حيث تغلق الفجوات السعرية السابقة.
وأشار إلى أن هذه السيناريوهات لا تلغي مسار الذهب نحو مستوى 6000 دولار الذي لا يزال قائمًا، لكنه لم يعد طريقًا مستقيمًا، بل أصبح مليئًا بالمطبات، في تذكير بأن الذهب ليس فقط ملاذًا آمنًا، بل أيضًا أصل مالي قابل للتقلبات وتدوير السيولة.
