«الرهان على الثقة: هل يستحق العجل الثمن؟» تشريع الضمان الاجتماعي المتعجل يزرع بذور الشك ويقوض أركان الثقة العامة

«الرهان على الثقة: هل يستحق العجل الثمن؟» تشريع الضمان الاجتماعي المتعجل يزرع بذور الشك ويقوض أركان الثقة العامة

يؤكد الدكتور محمد تركي بني سلامة أن الضمان الاجتماعي لم يكن قط مجرد مؤسسة رسمية تُعنى بإدارة الاشتراكات ودفع الرواتب التقاعدية فحسب، بل هو أساساً عقد أمان راسخ بين الدولة والمواطن، وركيزة لا غنى عنها للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لمئات الآلاف من الأسر الأردنية. لهذا السبب، فإن أي تعديل يطال هذا القانون الجوهري لا يمكن التعامل معه كإجراء إداري عادي أو ملف تقني ينجز على عجل، بل ينبغي اعتباره قراراً سيادياً عميق الأثر يمس حياة الناس في حاضرهم ويحدد مستقبل أبنائهم.

تغييرات جذرية وتوقيت غير ملائم

لقد جاء مشروع القانون المعدل للضمان الاجتماعي لعام 2026 محملاً بتغييرات كبيرة تشمل رفع سن التقاعد تدريجياً، وزيادة عدد الاشتراكات المطلوبة، وتشديد شروط التقاعد المبكر، وتوسيع نطاق الشمول الإلزامي، وتعديل شروط المهن الخطرة، إضافة إلى تغييرات في آليات الحوكمة. هذه التعديلات لا تعد مجرد لمسات تجميلية، بل هي إعادة صياغة شاملة للقواعد الأساسية للنظام برمته، ومع ذلك، فقد طُرح المشروع في توقيت بالغ الحساسية، وفي ظل مناخ عام يشهد تراجعاً في مستويات الثقة بالحكومات والمؤسسات الرسمية، ودون أي تمهيد كافٍ أو شرح شفاف ومدروس يسبق الإعلان عنه.

ضرورة التروي والحوار الشفاف

كان بوسع الحكومة، بل كان من واجبها، أن تلتزم بالتروي في طرح هذا المشروع، وأن تمهد له الرأي العام، وأن تنشر دراسات الأثر المالي والاكتواري بلغة مبسطة ومقنعة، وأن تفتح نقاشاً حقيقياً وبناءً قبل أن تضع الناس أمام واقع مفروض. إن الضمان الاجتماعي يمس الغالبية العظمى من أبناء الشعب الأردني، سواء كانوا موظفين وعمالاً، أو متقاعدين، أو شباباً على أبواب سوق العمل، وأي تغيير في شروطه يعني تعديلاً مباشراً في خطط حياتهم، وفي حساباتهم المتعلقة بالأمان والاستقرار.

أزمة ثقة تعيق التقبل

المشكلة لا تقتصر على مضمون التعديلات المقترحة فحسب، بل تتجلى أيضاً في السياق الذي طُرحت فيه، فنسبة الثقة بالحكومات الأردنية، ولأسباب متعددة وواضحة، ليست في أفضل حالاتها. سنوات من القرارات الصعبة، وارتفاع متواصل في كلفة المعيشة، وتراكم الإحباطات الاقتصادية، كل ذلك جعل المواطن أكثر حساسية وتوجساً تجاه أي إجراء يمس لقمة عيشه أو يؤثر على مستقبله التقاعدي، في مثل هذا المناخ، تصبح الشفافية ضرورة وطنية قصوى وليست مجرد ترف سياسي.

تساؤلات حول استقلالية الصندوق وإدارته

ما يزيد من حساسية المشهد هو استمرار لجوء الحكومات إلى الاقتراض من أموال صندوق الضمان، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة لدى المواطنين حول مدى استقلالية أموالهم وحصانتها من الضغوط المالية العامة، كما أن بعض المشاريع والاستثمارات التي تعثرت لصندوق استثمار أموال الضمان قد تركت أثراً سلبياً في الذاكرة العامة، مما أضعف الثقة بقدرة الإدارة على تعظيم العوائد وتقليل المخاطر.

غياب الرواية الواضحة والمقنعة

الأخطر من ذلك هو فشل القائمين على الصندوق حتى الآن في تقديم رواية واضحة ومقنعة تشرح الواقع بشفافية، وتعرض التحديات بصدق، وتطمئن الناس إلى آفاق المستقبل، فاللغة التقنية الباردة وحدها لا تكفي، والبيانات المجتزأة لا تبني الثقة، فالناس تريد أرقاماً مفهومة، وسيناريوهات واضحة، وضمانات قانونية تحمي مدخراتهم الإلزامية، إنهم يريدون أن يشعروا بأن الضمان ملك لهم، وليس مجرد أداة بيد أي حكومة عابرة.

دعوة إلى حوار وطني شامل

إن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى على الاستعجال، بل على التوافق المجتمعي، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى حوار وطني شامل حول قانون الضمان الاجتماعي، حوار يشارك فيه الخبراء وممثلو العمال وأصحاب العمل ومؤسسات المجتمع المدني والنواب، على أن يكون هذا الحوار قائماً على بيانات منشورة ودراسات مكتملة، إن الحاجة إلى هذا النهج لا تقتصر على الضمان وحده، بل تمتد لتشمل العديد من مشروعات القوانين الحساسة التي تُطرح تباعاً دون نقاش مجتمعي عميق.

المواطن الأردني شريك لا متلقي

الأردنيون شعب ضحّى وتحمل الكثير دفاعاً عن وطنه واستقراره، وهم مستعدون لتحمل المزيد إذا شعروا أن القرارات عادلة، ومدروسة، وشفافة، وأنهم شركاء في صنعها لا مجرد متلقين لها، أما تمرير القوانين المصيرية على عجل، وفي ظل فجوة ثقة قائمة، فإنه يهدد بتوسيع هذه الفجوة بدلاً من ردمها.

الضمان الاجتماعي: مفتاح استعادة الثقة

إن استعادة الثقة بين الحكومة والشعب ليست مجرد شعار سياسي، بل هي شرط أساسي لبقاء واستقرار الدولة، والضمان الاجتماعي، بما يمثله من أمان للأجيال، يجب أن يكون نقطة انطلاق لإعادة بناء هذه الثقة، لا سبباً جديداً لتآكلها.