
استقبلت أسواق السمك بالمغرب أولى أيام شهر رمضان بمفارقة واضحة، حيث تراجعت أسعار السردين مقارنة بالفترة التي سبقت استئناف نشاط الصيد البحري، ولكن الأسعار لا تزال مرتفعة بالنسبة لكثير من الأسر، وقد جاء هذا التراجع النسبي بعد انتهاء فترة الراحة البيولوجية وعودة الأساطيل الساحلية لممارسة نشاطها، في وقت يستمر فيه ضغط الطلب مع تقلب العرض.
مسار مؤسساتي جديد
بالمقابل، بدأ مسار مؤسساتي جديد يعتمد على الشفافية الرقمية لضبط السوق، من خلال الإعلان عن أسعار الجملة بشكل يومي، مما يفتح نقاشًا حول قدرة هذه الآليات في الحد من المضاربات، وهل تكفي وفرة المعطيات لتعزيز الثقة بين المستهلكين والمهنيين، بالإضافة إلى أثر هذه الخطوات على الأسعار النهائية، أم أن توازن السوق مرتبط بعوامل ميدانية أكبر من منطق التنظيم.
منطق السوق
يعتقد سعيد لبطرون، المندوب الجهوي للكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة بسيدي إفني، أن العامل الأساسي في تحديد أسعار السمك يبقى هو التوازن بين العرض والطلب، مشيرًا إلى أن أي تفسير للأسعار خارج هذا الإطار يكون قاصرًا، كما أوضح أنه في حال وفرة العرض، تنخفض الأسعار تلقائيًا، وإذا كان العرض ضعيفًا فإن الأسعار ترتفع بشكل طبيعي دون حاجة لتدخل مباشر.
الأثمان في السوق
وأكد لبطرون في تصريح لجريدة “أقرأ نيوز 24″، أن سوق السمك لا يمكن التحكم فيه عبر قرارات إداريّة أو إعلانات رقمية، لأن المنتجات تتأثر بتقلبات البحر والمواسم ومناطق الصيد، مبينًا أن السوق محكوم بآليات اقتصادية واضحة.
تحديد الأثمان في أسواق الجملة
أضاف أن تحديد الأثمان يتم لحظة بلحظة داخل أسواق الجملة، حيث يتنافس المشترون عبر آليات رقمية حديثة، مما يجعل السعر النهائي نتيجة تفاعل مباشر بين الفاعلين وليس نتيجة قرار مركزي.
حدود الرقمنة
فيما يخص إعلان أسعار الجملة عبر المنصة الرسمية، أوضح لبطرون أن الرقمنة خطوة تنظيمية مهمة، لكنها لا تلغي واقع السوق، فحتى مع توفر المعلومات، يبقى السعر مرتبطًا بجودة وكميات السمك المعروضة وحجم الطلب عليها، وسلط الضوء على أسعار بعض الأنواع الراهنة، حيث تراوحت أسعار “الميرنا” بين 60 و65 درهمًا للكيلوغرام، بينما بلغ ثمن “الصول” ما بين 70 و75 درهمًا، مؤكدًا أن هذه الأرقام تعكس مستوى العرض الحالي وليس نتيجة مضاربة.
منع تصدير السردين
شدد على أن المنصة الرقمية تتيح الشفافية، لكنها لا تستطيع فرض سعر موحد وطنيًا، لأن كل سوق جملة له خصائصه المرتبطة بالموقع الجغرافي وتكاليف النقل وحجم الاستهلاك المحلي.
أسماك السطح
وفيما يتعلق بالسردين وباقي الأسماك السطحية، أكد لبطرون أن سيدي إفني لا تعرف نشاطًا مكثفًا في هذا المجال حاليًا، باستثناء عدد محدود من القوارب التي تجلب كميات صغيرة من “الأنشوجة”، مضيفًا أن الوزارة الوصية سمحت بتوريد هذه الكميات في حدود 10 أطنان لكل باخرة، في محاولة لتلبية احتياجات السوق الوطنية وتخفيف الضغط على المستهلك.
أثر المناخ
وأشار لبطرون إلى أن المناخ كان له تأثير كبير خلال الأشهر الأخيرة، حيث شهد شهرا دجنبر ويناير نشاطًا ضعيفًا جدًا جراء اضطراب الأحوال الجوية، مما أدى إلى نقص حاد في العرض وبالتالي تأثير مباشر على الأسعار.
توزيع الكميات
تطرق لبطرون لمشكلة توزيع الكميات بين المدن، مشيرًا إلى أن غياب دراسة دقيقة لحاجيات كل منطقة يساهم في خلق تفاوتات حادة في الأسعار، موضحًا أن تفاوت الأسعار يومها تراوح بين 5 و8 دراهم في أكادير، و25 درهمًا في مراكش، و17 درهمًا في بعض أحياء الدار البيضاء، وذلك بسبب تركيز الشاحنات نحو أسواق معينة.
منطقة جديدة
في سياق معالجة النقص، أعلن لبطرون عن فتح منطقة بحرية بين طانطان والعيون. كان هذا المجال مصنفًا سابقًا كمنطقة محمية لتوالد السردين، وذلك بشكل مؤقت للتمكن من الاستغلال المنظم، مؤكدًا أن نجاح هذه الخطوة يعتمد على توافر كميات كافية بحجم قانوني تجاري.
استدامة مهددة
اختتم لبطرون بالتأكيد على أهمية استدامة الثروة السمكية، مشيرًا إلى أن بعض اللوبيات كانت قد تحكمت في استغلال البحر سابقًا دون اعتبار للاستدامة، مما أدى إلى استنزاف المخزون، مؤكدًا أن الراحة البيولوجية، على الرغم من تأثيراتها المؤقتة على الأسعار، تعد إجراءً ضروريًا لحماية الثروة السمكية للأجيال المقبلة، وأن أي نقاش حول الأسعار يجب أن يوازن بين حق المستهلك في الأسعار المناسبة وواجب الحفاظ على الموارد البحرية.
