
بقلم د. محمد الأنصاري أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية ——————————————————
منعطف حاسم في الملف اليمني
يمرّ الملف اليمني راهنًا بمرحلة حرجة، حيث تتسارع التطورات لتعكس عمق التعقيدات السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد منذ سنوات، وفي خضم هذه الظروف المعقدة، تواصل المملكة العربية السعودية دورها المحوري، مستندةً إلى نهج سياسي ودبلوماسي يتسم بالتوازن، ويعكس منطق الدولة، مع العمل الجاد على حماية وحدة اليمن واستقراره، باعتباره ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي.
استجابة استراتيجية من الرياض
تعاملت الرياض مع المستجدات الأخيرة في الساحة اليمنية برؤية استراتيجية تتجنب ردود الفعل المتسرعة، مؤكدة أن الحلول المفروضة بالقوة أو التحركات الأحادية ستسهم في تعقيد الأزمة وتقويض فرص التسوية السياسية الشاملة.
احترام الشرعية اليمنية
انطلاقًا من مسؤوليتها الإقليمية، شددت المملكة على أهمية احترام الشرعية اليمنية ومؤسسات الدولة، ورفض كل ما يكرس الانقسام أو يفرض وقائع جديدة خارج التوافق الوطني.
الجهود السعودية لإعادة ضبط المسار السياسي
تبرز الجهود السعودية في إعادة ضبط المسار السياسي للأزمة، عبر تشجيع الحوار بين مختلف القوى اليمنية، والدفع نحو معالجة القضايا الخلافية ضمن إطار جامع، يحفظ وحدة اليمن وسيادته، إذ تؤمن المملكة بأن الحل المستدام لا يمكن تحقيقه إلا من خلال مسار سياسي شامل، يستجيب لخصوصية الواقع اليمني، ويوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار وحقوق مختلف المكونات السياسية والاجتماعية.
مؤتمر شامل في الرياض
استقبلت المملكة العربية السعودية طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بعقد مؤتمر شامل في الرياض، يجمع مختلف المكونات الجنوبية للتباحث حول حلول عادلة للقضية الجنوبية، فيما يعكس هذا النهج المتوازن رؤية سياسية تهدف لمنح اليمن فرصة حقيقية للخروج من دوامة الصراع وبناء دولة آمنة وموحدة.
تصريحات وزارة الدفاع
أكد سمو الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع، أن الخطوات التي اتخذتها القيادات الجنوبية تعكس مستوى عالٍ من المسؤولية السياسية، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تمثل مدخلًا جادًا لتوسيع دائرة المشاركة، وإتاحة الفرصة أمام أبناء الجنوب للتعبير عن تطلعاتهم ضمن مسار حواري جامع، وبيّن سموه أن المملكة ستعمل، بالتعاون مع المكونات الجنوبية، على تشكيل لجنة تحضيرية للإعداد لمؤتمر الرياض الجنوبي الشامل، بما يضمن تمثيلًا عادلًا دون إقصاء، مؤكدًا دعم المملكة لمخرجات المؤتمر ضمن المسار السياسي اليمني الشامل، في خطوة تعكس الالتزام الراسخ بمعالجة القضية الجنوبية بشكل عادل يحظى بتأييد إقليمي ودولي.
ترحيب دولي بالمؤتمر
رحّبت الأوساط الإقليمية والدولية باحتضان العاصمة السعودية الرياض لمؤتمر المكونات الجنوبية اليمنية، معتبرةً هذا الأمر تأكيدًا للدور المحوري الذي تلعبه المملكة في دعم جهود السلام وتعزيز الحوار السياسي بين أطراف النزاع، ويأتي هذا المؤتمر في توقيت بالغ الأهمية، وسط efforts لتحفيز النشاط السياسي في اليمن، وتوحيد الرؤى الجنوبية، وفتح قنوات حوار بناء تسهم في تحقيق الاستقرار ودفع العملية السياسية نحو حلول شاملة تلبي تطلعات الشعب اليمني نحو السلام والأمن، مما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
المبادرة تحت الأنظار الدولية
لاقت هذه المبادرة اهتمامًا من الأمم المتحدة وعدد من الدول، ما يعكس الاعتراف بدور السعودية المحوري في تسهيل الحل السياسي للأزمة اليمنية، كما تستند المقاربة السعودية إلى إدراك عميق بأن حالة عدم الاستقرار في اليمن تهدد أمن المنطقة، وتمكّن أطرافًا خارجية من التدخل وتغذية الصراع، لذا تركز الرياض على تحييد اليمن عن صراعات النفوذ الإقليمي، والعمل على منعه من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، عبر دعم الحلول السياسية المتوافقة مع المرجعيات المتفق عليها إقليميًا ودوليًا.
تعزيز الجهود الدبلوماسية
على الصعيد الدبلوماسي، كثفت المملكة اتصالاتها مع الأطراف الدولية المعنية بالملف اليمني، في محاولة لتوحيد الجهود الرامية لخفض التصعيد وتهيئة المناخ الملائم لاستئناف العملية السياسية، وتعكس هذه التحركات حرص السعودية على العمل ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية، وتعزيز دور المؤسسات الدولية في دعم مسار السلام، بعيدًا عن أي منطق للإملاءات أو الحلول الجزئية.
التزام بالمجال الإنساني
بالإضافة إلى ذلك، تواصل المملكة التزامها بالجانب الإنساني للأزمة اليمنية، كجزء لا يتجزأ من رؤيتها الشاملة للحل، حيث تؤكد في خطابها السياسي أن معالجة الأوضاع الإنسانية تمثل مدخلًا أساسيًا لبناء الثقة وتهيئة الأرضية لأي تسوية سياسية مستقبلية.
خلاصة الدور السعودي
باختصار، إن الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في اليمن يعكس رؤية سياسية ودبلوماسية متكاملة تجمع بين المسؤولية الإقليمية والحكمة السياسية، والسعي لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والاستقرار وضرورة الدفع نحو حل شامل، ويبرز دعم المملكة للمسار السياسي الجنوبي عبر مؤتمر الرياض وتشكيل لجنة تحضيرية شاملة، أن النهج السعودي لا يقتصر على المبادئ فقط، بل يمتد إلى خطوات عملية نحو الحل العادل والدائم، وفي ظل تعقيدات المشهد اليمني، تبقى المقاربة السعودية نموذجًا متزنًا لإدارة الأزمات بعقل الدولة ومنطق الشراكة، بعيدًا عن التصعيد، وقريبًا من فرص السلام المستدام.
