
نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:عودة الدولة الوطنية: لماذا تختار السعودية طريق الاستقرار ووحدة الدول؟, اليوم الأربعاء 4 فبراير 2026 02:51 صباحاً
إعادة تشكيل الشرق الأوسط
يشهد الشرق الأوسط حالياً مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتجاوز مجرد تبدل التحالفات، فهي تتعلق بإعادة تعريف مفهوم الاستقرار ذاته، فبعد عقود من الفوضى، وتفكك الدول، وصعود الفواعل المسلحة غير الدولتية، تعود «الدولة الوطنية» لتحتل الصدارة بوصفها الإطار الوحيد القادر على الحفاظ على الأمن، وإدارة التنمية، وضبط التوازنات، وفي قلب هذا التحول، تبرز الاستراتيجية السعودية كخيار واعي للحفاظ على وحدة الدول وسيادتها، بناءً على قراءة واقعية لطبيعة المنطقة ومخاطر التفكك.
تاريخ الدولة الوطنية في الشرق الأوسط
تاريخياً، لم تكن الدولة الوطنية في الشرق الأوسط كيانا مستقراً، فمنذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، دخلت المنطقة في مرحلة سيولة سياسية وأمنية، حيث فتحت التدخلات الخارجية، خصوصاً بعد عام 2003، الباب أمام تفكك العراق، وصعود الميليشيات، وتحول لبنان واليمن وسوريا إلى ساحات نفوذ متداخلة، وفي تلك الأثناء، ساد في بعض الدوائر الدولية تصور بأن «إدارة الفوضى» أو إعادة رسم الخرائط قد تؤديان إلى شرق أوسط أكثر قابلية للضبط، لكن النتائج جاءت عكسية، حيث ظهرت دول أضعف، ومجتمعات ممزقة، وتهديدات عابرة للحدود.
عودة التوازنات الجيوسياسية
اليوم، تغيرت المعادلة، فصعود الصين كقوة اقتصادية وسياسية عالمية، وعودة منافسة القوى الكبرى، دفعا الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم سياساتها، ولم يعد التفكك ينظر إليه كفرصة، بل كثلث استراتيجي يسمح لقوى منافسة بالتغلغل في مناطق حساسة، من الممرات البحرية إلى البنية التحتية والطاقة، وبالتالي، لم تعد وحدة الدول عبئاً، بل أصبحت ضرورة جيوسياسية.
استراتيجية السعودية للحفاظ على الوحدة
السعودية كانت من أوائل الدول التي استوعبت هذا التحول، ليس فقط على المستوى الدولي، بل من خلال تجربتها الإقليمية المباشرة، فالرياض تدرك أن انهيار الدول المجاورة لا يبقى محصورا داخل حدودها، بل يتحول إلى تهديد أمني واقتصادي طويل الأمد، ولذلك، تبنت السعودية مقاربة تقوم على دعم المؤسسات الوطنية، والحلول السياسية، والحفاظ على السيادة، حتى في أكثر البيئات تعقيداً.
معالجة الملف اليمني
تتجلى هذه الرؤية بوضوح في مقاربة السعودية للملف اليمني، فرغم الكلفة الباهظة للحرب، ظل الهدف السعودي المعلن هو الحفاظ على يمن موحد، ومنع تحوله إلى كيانات متناحرة أو مناطق نفوذ مفتوحة لقوى إقليمية ودولية، فاليمن المنقسم لا يشكل خطراً على السعودية فقط، بل على أمن البحر الأحمر، وباب المندب، وعلى استقرار التجارة العالمية، لذا يصبح دعم الدولة اليمنية، وليس إدارة الانقسام، خياراً استراتيجيا عقلانياً.
الآفاق الإقليمية والدولية
الأمر ذاته ينطبق على نظرة السعودية للعراق وسوريا ولبنان، ففي هذه الدول لا ترى الرياض، خلافاً لبعض القراءات السطحية، في ضعف الدولة فرصة لتوسيع النفوذ، بل مدخلاً للفوضى، لذا، فإن دعم الدولة الوطنية هناك، حتى مع اختلاف المواقف السياسية، يبقى أفضل من ترك الساحة للفوضى.
التقارب السعودي-الإيراني
التقارب السعودي-الإيراني، الذي جاء برعاية صينية، يندرج أيضاً ضمن هذا الإطار، فالسعودية لم تتجه إلى التهدئة بدافع الوهم أو حسن النوايا المجردة، بل استناداً إلى حسابات دقيقة، فخفض التوتر مع إيران يسهم في تقليص ساحات الصراع، ويمنح الدول فرصة لاستعادة دورها الطبيعي بعيداً عن الحروب بالوكالة، كما أن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لنجاح رؤية السعودية التنموية، التي تعتمد على جذب الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وربط المملكة بمحيطها الإقليمي والدولي كمركز استقرار لا بؤرة أزمات.
الفهم المتقدم للاستراتيجية السعودية
تعكس الاستراتيجية السعودية فهماً متقدماً لطبيعة اللحظة الدولية، فالتنافس بين القوى الكبرى، بدلاً من أن يكون نقمة، يمكن تحويله إلى مظلة تحمي الدول الضعيفة من التفكك، إذا أحسنت هذه الدول إدارة علاقاتها، وحافظت على وحدتها، فالسعودية لا تراهن على انهيار الآخرين، بل على بناء نظام إقليمي متوازن، يحترم فيه سيادة الدول، ويضبط التدخلات، ويفتح المجال أمام التنمية بدلاً من الصراع.
خلاصة
باختصار، إن خيار السعودية بدعم وحدة الدول واستقرارها ليس مجرد موقف أخلاقي، بل هو استراتيجية واقعية بعيدة المدى، وفي إقليم أنهكته الحروب والانقسامات، تبدو الدولة الوطنية، بكل ما تحمله من تحديات، الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستمرار، والسعودية تدرك أن أمنها وازدهارها لا ينفصلان عن أمن واستقرار محيطها، وأن الحفاظ على سيادة الدول هو الطريق الأضمن لعبور الشرق الأوسط نحو مرحلة أكثر عقلانية وتوازناً.
mr_alshammeri@
