
رحيل أيقونة النشرة الجوية السعودية: وداعاً حسن كراني
بقلوبٍ يعتصرها الحزن، فُجع الوسط الإعلامي والمجتمع السعودي يوم الجمعة بخبر وفاة الإعلامي وخبير الأرصاد الجوية البارز، حسن كراني، الذي يُعد الاسم الأبرز والأشهر في تقديم النشرة الجوية عبر شاشة التلفزيون السعودي. اختتم كراني مسيرة مهنية استثنائية تجاوزت ثلاثة عقود من العطاء، مخلفاً وراءه إرثاً إعلامياً لا يُنسى وذكراً خالداً في وجدان ملايين السعوديين الذين ارتبطت أصواتهم ووجوههم بيومياتهم.
اشتهر الفقيد بأسلوبه التلقائي والدافئ في عرض نشرات الطقس، وبصوته الرخيم الذي طالما كان يختتم به نشرته اليومية بعبارته التي لا تُنسى: “أعزائي شكراً لإصغائكم مع أحلى الأماني”. لم تكن هذه العبارة مجرد كلمة ختامية، بل تحولت إلى بصمة صوتية فريدة، وجزء لا يتجزأ من طقوس المساء في كل منزل سعودي، لتصبح علامة فارقة في تاريخ الإعلام المرئي بالمملكة.
حسن كراني: صوت العائلة في عصر ما قبل الإنترنت
لتسليط الضوء على الأثر العميق الذي تركه حسن كراني، يجدر بنا استعراض السياق التاريخي الذي شهد بزوغ نجمه. خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، وقبل الانفجار الرقمي وانتشار الإنترنت وتطبيقات الطقس الفورية، كان التلفزيون السعودي يمثل المصدر الأساسي للمعلومات والترفيه داخل الأسرة. كانت نشرة الأخبار، بفقرتها المخصصة للطقس، حدثاً يومياً يجتمع حوله أفراد العائلة، وفي هذا المشهد، لم يكن كراني مجرد مذيع ينقل المعلومات، بل كان بمثابة ضيف يومي موثوق يدخل كل بيت، ليطمئن المزارعين، ويرشد المسافرين، ويشارك الجميع تفاصيل يومهم التالي، بأسلوب يمزج بين الدقة العلمية والبساطة في العرض.
مسيرة عطاء من مكة إلى سماء الإعلام السعودي
ولد حسن كراني في مكة المكرمة عام 1949، وبدأ رحلته المهنية في الإذاعة السعودية كمذيع ومقدم برامج. لكن شغفه المتنامي بالعلوم قاده إلى التخصص في مجال الأرصاد الجوية، وهو مجال كان نادراً في تلك الحقبة. لم يكتفِ بتقديم النشرات، بل اضطلع بدور فعال في تطوير هذا القطاع الحيوي، حيث تقلد مناصب إدارية رفيعة في الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة، وأسهم بشكل محوري في الارتقاء بالجانبين التقني والإعلامي لتقديم بيانات الطقس. امتدت مسيرته لأكثر من أربعة عقود، شارك خلالها في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية كخبير معتمد في قضايا المناخ، مما يعكس عمق معرفته وتأثيره الذي تجاوز حدود الشاشة الصغيرة.
إرث يتجاوز الأجيال وتأثير خالد
يتعدى تأثير حسن كراني كونه مجرد مقدم تلفزيوني، ليصبح رمزاً ثقافياً يجسد حقبة زمنية بأكملها. لقد ارتبط صوته الدافئ بذكريات الطفولة والشباب لأجيال متعاقبة من السعوديين. وقد أثار نبأ وفاته موجة عارمة من الحزن والتعازي عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث استذكره الجميع، من مواطنين ومسؤولين وإعلاميين، كجزء لا يتجزأ من ذاكرتهم الشخصية والوطنية. هذا التفاعل الواسع النطاق يؤكد أن كراني لم يكن موظفاً يؤدي مهامه فحسب، بل كان شخصية عامة فريدة استطاعت أن تبني جسراً من الثقة والمحبة مع الجمهور، وهو ما يرسخ إرثه الإعلامي الخالد. وقد أعلن الفقيد تقاعده رسمياً في عام 2019، مختتماً بذلك مسيرة حافلة بالإنجازات والعطاء.
ومن المقرر أن تُقام صلاة الجنازة على جثمان الفقيد في مسجد العمودي بمحافظة جدة، ليُوارى الثرى بعدها في مقبرة حواء، مختتماً بذلك رحلة حياة إنسانية ومهنية ثرية تركت بصمة لا تُمحى وأثراً طيباً في قلوب الملايين. “أقرأ نيوز 24” تتقدم بخالص العزاء والمواساة لأسرة الفقيد والوسط الإعلامي السعودي.
