
تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان مرحلةً جديدة من التعزيز الاستراتيجي، تتمثل في المفاوضات الجارية لتحويل قروض سعودية تقدر بنحو مليارين دولار أمريكي إلى صفقة تسليح تشمل طائرات مقاتلة من طراز (JF-17) ثاندر، وفقًا لتقارير حديثة صدرت في يناير (كانون الثاني) ٢٠٢٦، حيث تتواصل هذه المحادثات دون تأكيد رسمي لإتمام الصفقة، لكنها تعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، خاصة بعد توقيع اتفاق دفاع مشترك في سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٥ يُلزم كل طرف بدعم الآخر في حالة تعرضه لاعتداء خارجي، ويأتي هذا التقارب في سياق تحولات جيوسياسية واسعة، حيث تسعى الرياض إلى تنويع مصادر تسليحها في ظل الغموض بشأن الالتزامات الأمريكية في المنطقة، بينما تواجه إسلام آباد ضغوطًا اقتصادية حادة تدفعها نحو تعزيز صادراتها الدفاعية بديلًا عن الاعتماد على المساعدات الدولية.
مواصفات طائرة JF-17 ثاندر
تُعد طائرة (JF-17) ثاندر، المعروفة أيضًا باسم (FC-1)، مشروعًا مشتركًا بين باكستان والصين، طُور في التسعينيات بديلًا اقتصاديًا للمقاتلات الغربية باهظة الثمن، ودخلت الخدمة في القوات الجوية الباكستانية عام ٢٠٠٧، وتتميز بقدرات متعددة المهام تشمل القتال الجوي والضربات الأرضية، مع تكلفة تشغيل منخفضة نسبيًا مقارنةً بنظيرتها (F-16) الأمريكية، في نسختها المتقدمة (Block III) تحمل رادارات (AESA) وأنظمة إلكترونية حديثة، مما يجعلها جذابة للدول النامية أو تلك التي تسعى إلى الاستقلال عن القيود الغربية، وأثبتت الطائرة فاعليتها في عمليات قتالية حقيقية، خاصة خلال التصعيد مع الهند عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٥، حيث أسقطت مقاتلات هندية دون خسائر باكستانية، مما عزز سمعتها السوقية.
تاريخ التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان
ترتكز العلاقات الدفاعية السعودية-الباكستانية على تاريخ طويل من التعاون يعود إلى عقود مضت، منذ السبعينيات، قدمت باكستان دعمًا عسكريًا للمملكة، شمل تدريب طيارين سعوديين ونشر قوات باكستانية لحماية المواقع المقدسة، وفي المقابل، قدمت الرياض مساعدات مالية كبيرة لإسلام آباد خلال أزماتها، مثل الودائع في البنك المركزي الباكستاني وتسهيلات نفطية مؤجلة الدفع، بلغت في بعض الفترات عشرات المليارات، وهذا التبادل البيني أسس على أسس دينية مشتركة كدول إسلامية سنية رئيسة، ومخاوف أمنية متداخلة مثل التهديد الإيراني للسعودية، والتوتر الهندي لباكستان.
اتفاق الدفاع المشترك
في السنوات الأخيرة، تطورت هذه العلاقات نحو شراكة أكثر رسمية، إذ يُعتبر اتفاق الدفاع المشترك لعام ٢٠٢٥ خطوة نوعية، حيث يحاكي في بنوده «المادة الخامسة» لحلف الناتو، مما يعني التزامًا متبادلًا بالدفاع، وجاء هذا الاتفاق بعد توترات إقليمية متزايدة، كالضربات الإسرائيلية على أهداف في المنطقة والتوترات في اليمن، كما زار قائد القوات الجوية الباكستانية، المشير الجوي زاهر أحمد بابار سيدو، الرياض في يناير (كانون الثاني) ٢٠٢٦ لمناقشة التعاون الدفاعي، مما يشير إلى تقدم في المحادثات حول (JF-17).
الاستراتيجية السعودية في تنويع الأسلحة
تعكس المفاوضات من الجانب السعودي سعيًا استراتيجيًا لتنويع مصادر التسليح، حيث تعتمد القوات الجوية الملكية السعودية حاليًا اعتمادًا أساسيًا على طائرات أمريكية مثل (F-15) وتايفون أوروبية، ولكن الرياض تواجه تحديات في الحصول على قطع غيار أو ترقيات بسبب القيود السياسية الأمريكية، خاصة في ظل انتقادات واشنطن لسجل حقوق الإنسان أو الوضع في اليمن، كما يثير الغموض بشأن الالتزامات الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة مع تحول التركيز الأمريكي نحو آسيا والمحيط الهادئ، مخاوف سعودية من نقص الدعم في مواجهة إيران أو الحوثيين، لذا يُنظر إلى (JF-17) كخيار اقتصادي وغير مشروط سياسيًا، مما يتيح توسيع الأسطول الجوي دون الاعتماد الحصري على الغرب، بالإضافة إلى ذلك، قد تكون الصفقة جزءًا من استراتيجية أوسع لدمج عناصر صينية في الترسانة السعودية، كما في صفقات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية السابقة مع بكين.
أزمة باكستان الاقتصادية وسبل التعافي
من جهة أخرى، تواجه باكستان أزمة اقتصادية مزمنة، مع ديون خارجية ضخمة وبرامج متكررة مع صندوق النقد الدولي، في حين تُعتبر صادرات الدفاع، وخاصةً (JF-17)، فرصة لتحقيق إيرادات بالعملة الصعبة وتقليل الاعتماد على المساعدات، وقد نجحت إسلام آباد مؤخرًا في صفقات كبرى، مثل بيع (٤٠) طائرة لأذربيجان بقيمة (٤.٦) مليار دولار في ٢٠٢٥، و(١٦) طائرة لليبيا، بالإضافة إلى محادثات مع بنغلاديش ودول أخرى، وتحويل القروض السعودية إلى صفقة تسليح يوفر لباكستان تخفيفًا فوريًّا من عبء الديون، مع تعزيز صناعتها الدفاعية المحلية، مما يعزز من مكانتها كداعم إقليمي في سوق السلاح، مدعومًا بشراكتها مع الصين.
الآثار الجيوسياسية للمفاوضات
تحمل هذه المفاوضات آثارًا جيوسياسية واسعة، أولًا: تعزز نفوذ الصين في الشرق الأوسط عبر بوابة باكستان، إذ تُعد (JF-17) منصة صينية-باكستانية مشتركة، مما يدعم استراتيجية بكين في «الحزام والطريق» وتصدير التكنولوجيا العسكرية، ثانيًا: قد تثير الصفقة قلقًا أمريكيًا، خاصة إذا أثرت في صفقات (F-35) المحتملة مع السعودية، أو أدت إلى نقل تكنولوجيا حساسة، ثالثًا: على المستوى الإقليمي، تعزز الشراكة السعودية-الباكستانية توازنًا أمام التحالفات المضادة، مثل التقارب الهندي-الإسرائيلي أو النفوذ الإيراني، كما قد تشجع دولًا خليجية أخرى على استكشاف خيارات آسيوية مشابهة، مما يعيد رسم خريطة التحالفات الدفاعية في المنطقة.
التحديات المحتملة للصفقة
مع ذلك، تواجه الصفقة تحديات محتملة، منها الضغوط الأمريكية على الرياض للحفاظ على التوافق التكنولوجي مع الأسطول الغربي، أو مخاوف سعودية من جودة الدعم اللوجستي لـ(JF-17) مقارنةً بالمنصات الأمريكية، كما قد تؤثر الاعتبارات الاقتصادية الباكستانية في إبطاء المفاوضات، وأخيرًا، يبقى عدم التأكيد الرسمي حتى يناير (كانون الثاني) ٢٠٢٦ دليلًا على حساسية الموضوع دبلوماسيًا، لكن مفاوضات (JF-17) تمثل تحولًا في نمط التحالفات الدفاعية بين السعودية وباكستان، مما يجمع بين الحاجات الاقتصادية والأمنية في عالم متعدد الأقطاب، وإذا أُبرمت الصفقة، ستعزز من مكانة باكستان كمصدر دفاعي ناشئ، وتدعم تنويع السعودية لقدراتها العسكرية، إسهامًا في استقرار إقليمي جديد يعتمد على شراكات جنوب-جنوبية، بعيدا عن الهيمنة الغربية التقليدية، ومع استمرار التحولات الجيوسياسية، قد يشكل هذا التعاون نموذجًا لتحالفات مستقبلية في المنطقة.
* باحث في العلاقات الدولية
ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية
