
يستهل الكاتب الطيب أديب فصلًا جديدًا ومميزًا في رحلته الإبداعية، تزامنًا مع صدور مجموعته القصصية الجديدة «مشاهد مثيرة للدهشة»، التي تمثل عودة قوية وبارزة إلى عالم «الكتابة للكبار»، بعد سنوات طويلة كرسها لمشروعه الرائد في أدب الطفل، الذي أثمر عن عشرات الإصدارات القيمة، بالإضافة إلى حضوره التربوي والأكاديمي الفاعل داخل مصر وخارجها.
لقد جاءت عودة أديب هذه محمّلة بخبرة غنية ومتراكمة، اكتسبها عبر مسيرة حافلة في الكتابة للناشئة، حيث ألف ما يقرب من سبعين كتابًا تنوعت بين القصص والحكايات التراثية، التاريخية، الدينية، والعلمية، وقد شقّت بعض أعماله طريقها إلى المناهج التعليمية في عدة دول خليجية، كما نالت أعمال الطيب أديب اهتمامًا بحثيًا، حيث تناولتها دراسات ضمن رسائل علمية مصرية، ما رسّخ مكانته كأحد الأسماء البارزة التي أسهمت في بناء وعي الأجيال الصغيرة من خلال خطاب تربوي وثقافي متوازن.
من المقرر أن تصدر المجموعة القصصية الجديدة قريبًا عن دار الأدهم للنشر والتوزيع في القاهرة، وهي تقع في ثمانين صفحة وتضم عشرين قصة قصيرة تتفاوت أطوالها بشكل لافت، فبعضها نصوص مكثفة لا تتجاوز بضعة أسطر، مثل «لوحة رملية»، وقصص أخرى من صفحة واحدة مثل:
- «أم قويق».
- «ذعر».
- «ضد التيار».
- «المناضل».
- «مواسم القحط».
بينما تمتد قصص أخرى لعدة صفحات، منها:
- «غوغاء».
- «الطبلية المقلوبة».
- «كورونا».
- «الريس رفعت».
- «سارينة إنذار».
- «حنين».
- «مشاهد مثيرة للدهشة».
- «حفلة رأس الحنش».
- «عندما تصيح الديكة».
هذا التنوع يعكس بوضوح قدرة الكاتب على الاشتغال بإيقاعات سردية متعددة.
مشروع أدبي بين الطفل والكبار
يؤكد الطيب أديب من خلال هذه العودة أن انتقاله بين عوالم الكتابة المختلفة لم يكن انقطاعًا في مسيرته، بل كان تحولًا مرحليًا فرضته رؤيته الثقافية العميقة، فقد انكبّ لسنوات على تأسيس مكتبة غنية موجهة للطفل، قبل أن يعود ويلتفت إلى قضايا الكبار من زاوية سردية تتسم بقدر أكبر من النضج والعمق.
أما الإهداء في «مشاهد مثيرة للدهشة»، فيكشف بوضوح عن البعد الإنساني العميق في تجربة الطيب أديب، حيث يهدي العمل إلى أهل غزة الصامدين، وإلى الفقراء الذين يصفهم بملح الأرض، وإلى الأحرار الذين يمثلون ضمير العالم، في إشارة صريحة إلى انحيازه الدائم للبسطاء والمناضلين.
تتحرك قصص المجموعة ضمن بيئة جنوبية غنية بالتفاصيل الدقيقة، حيث ينسج الكاتب شخصياته من واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي مألوف وملموس، ويعتمد ببراعة على الإيحاء والإسقاط، مبتعدًا عن المباشرة، مستفيدًا من خبرته الطويلة في التقاط جوهر المشهد الإنساني المكثف.
بين الحرب والذاكرة والتحولات
ترصد قصة «مشاهد مثيرة للدهشة»، التي تحمل عنوان المجموعة ذاتها، سيرة الحاج جعلوص، وهو أحد أبناء الجنوب الذين شاركوا في حرب أكتوبر عام 1973، ثم أمضى سنوات طويلة عاملًا في الخليج وليبيا، ليجمع بذلك بين تجربة الحرب ومرارة الغربة.
يستعيد السرد كذلك مشاهد حية من ثورة يناير 2011، حيث تابع جعلوص الأحداث من ليبيا عبر القنوات الإخبارية، وتفاعل بقوة مع بيان التنحي، هذا المشهد يكشف عن تداخل الذاكرة الوطنية مع التحولات السياسية الكبرى، ويبرز حسّه الشعبي في قراءة الوقائع، ويتجلى ذلك بوضوح في حواره الحاد مع أحد المصريين في ليبيا، في مقارنة لافتة بين من حارب في سماء الوطن ومن عبر القناة مع طليعة المشاة، وهي مفارقة تكشف ببراعة تفاوت المصائر.
عندما اندلعت شرارة ثورة 25 يناير عام 2011، أسرعت مسافرًا لميدان التحرير مشاركًا في الثورة. وكان الحاج جعلوص حينذاك يعمل بناء في ليبيا، وكان من المؤيدين المتحمسين للثورة، ويلتف مع المصريين والتوانسة والمغاربة والسوريين خلسة حول جهاز التلفاز، يتابعون أحداث الثورة من خلال قناة الجزيرة والقنوات الإخبارية المحظورة هناك.
وبعد بيان التنحي، كبّر وهلل الحاج جعلوص ومعظم المصريين والعرب فرحين، بينما خيّم الحزن على بعض الوجوه لرحيل الرئيس. ووقف أحد المصريين زاعقًا في وجه الحاج جعلوص يسأله: كنت فين لما الريس مبارك كان يقود الطيران ويضرب في العدو من فوق؟ فرد عليه مسرعًا: كنت أنا أعبر القناة تحته مع طليعة المشاة، وكان هو في الجو، هو أصبح رئيسًا للبلاد، وأنا سافرت عاملًا في البلاد العربية!
وفي قصة «الريس رفعت»، يعود الطيب أديب إلى ذاكرة حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي، مستحضرًا مشاركة الجنود المصريين في تلك المرحلة، واستقبالهم الرسمي من قبل الرئيس جمال عبد الناصر لدى عودتهم، وما تلا ذلك من خيارات حياتية متباينة، بينما يكشف الحوار بين الراوي وعمّه جدلًا عميقًا حول جدوى الحرب والسياسة، ويعكس اختلاف الأجيال في قراءة التاريخ، قبل أن ينتهي المشهد باستدعاء ذاكرة البن اليمني وأيام البركة، في مزيج مؤثر بين الحنين إلى الماضي والواقع المتغير.
أدغدغ ذكرياته ليحدثني عن حرب اليمن التي شارك فيها في بداية ستينيات القرن الماضي، فيحكي لي أنه كاد يفقد حياته على جبالها الوعرة، وكيف كان يواري جثامين رفاقه المصريين الشهداء في الجبال، وأنه رفض الوظيفة الحكومية التي منحها له الرئيس عبد الناصر مثل باقي رفاقه العائدين أحياء من حرب اليمن، فرفضها هو وعم خديوي وعم عبيد، وقبلها عم عبدالرحيم الذي توظف في الصحة وعم حسن في الكهرباء.
وذات مرة قلت له: الريس جمال عبد الناصر ضيّع ذهب مصر، وضحّى بشبابها، وأدخلكم في معركة ببلاد مجهولة عنكم، لا ناقة لكم فيها ولا جمل! وسرعان ما تغير وجه الريس رفعت وثار في وجهي زاعقًا: وما أدراك بالسياسة؟ نحن رحنا لنقاتل من أجل تحرير اليمن واستقرار مصر، واستقبلنا الزعيم عبدالناصر في المطار استقبال الأبطال، ولو كان حيًا وأرسلني لليمن مرة أخرى سألبي نداء الوطن.
هدأت من روعه وغيرت مجرى الحديث قائلًا له: فنجان البن الذي أشربه معك يا عمي له نكهة رائعة! انفرجت أساريره، وعاد يحدثني عن بن اليمن ونخيلها وخيراتها القديمة، وأيام الخير والبركة في البيت القديم. انتقل الريس رفعت ورفاقه إلى رحمة ربهم، ورجع اليمن يعاني ويلات الفتن والحروب والفقر من جديد بلا كتائب مصرية تخلصه من النزاعات، وتعيد له استقراره.
الطيب أديب ومسار سردي ممتد
تُعد «مشاهد مثيرة للدهشة» ثاني مجموعة قصصية للطيب أديب بعد مجموعته «رحيل السنط» الصادرة عام 2003 عن مركز الحضارة العربية، كما سبق له أن أصدر سيرة روائية بعنوان «رائحة الطين» عام 2008 عن دار وعد للنشر. وإلى جانب ذلك، يمتلك الكاتب ما يقارب اثني عشر كتابًا موجهًا للكبار، تنوعت بين الأدب والتاريخ والتربية، ما يعكس مسارًا أدبيًا متشعبًا يجمع ببراعة بين الحس السردي العميق والانشغال الدائم بالشأن العام. إن عودة الطيب أديب إلى الكتابة للكبار تبدو امتدادًا طبيعيًا لتجربة ثرية تشكلت بين التعليم والثقافة والذاكرة الوطنية، حيث يواصل من خلالها رصد التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى عبر شخصيات بسيطة تحمل في تفاصيلها تعقيدات زمن بأكمله.
